د. محمد علي المعايطة يكتب : الهدنة الاستراتيجية: استراحة مقاتل أم إعادة تشكيل حرب؟

Operational Pause” or “Strategic De-escalation”
بقلم: د. محمد علي المعايطة
ليست كل هدنة تعني سلاماً، ولا كل توقف لإطلاق النار يعني نهاية للصراع. في عالم الجغرافيا السياسية، هناك نوع أكثر خطورة وتعقيداً: الهدنة الاستراتيجية , تلك التي لا تُبرم لوقف الحرب، بل لإعادة ترتيبها.
اذن :
تخفيف التوتر مؤقتًا و إعادة ترتيب القدرات دون إنهاء الصراع فعليًا
ما نشهده اليوم لا يمكن قراءته بسطحية. الهدنة، في جوهرها، ليست تنازلاً، بل إعادة تموضع محسوبة بدقة. هي لحظة تلتقط فيها القوى أنفاسها، تعيد حساباتها، وتستعد للمرحلة التالية بشكل أكثر تنظيماً وفعالية.
اصبح لزاما تدمير التهديد من الجبهه الشماليه للكيان و الخلاص من مفاجآت حزب الله المزعجه جدا، و التي اجبرت الكيان فتح عدة جبهات دفاعيه شمالا لم تكن في الحسبان و اهدرت فيها ذخيره لم تكن على الطاوله. و الان، مئات الغارات لمسح جنوب لبنان ( ان لم يتوسعوا اكثر) و إتباع نفس أسلوب الذي رأيناه في غزه يحصل في لبنان.
في هذا السياق، يمكن فهم الهدنة كجزء من معادلة أكبر:
تخفيف الضغط على جبهة معينة، لتأمين جبهة أخرى أكثر حساسية. الشمال يجب أن يهدأ، ليس حباً بالهدوء، بل لأن المرحلة القادمة تتطلب تركيزاً كاملاً دون تشتيت. فوجود تهديدات متعددة ومتزامنة يستهلك الموارد ويُربك القرار العسكري والسياسي.
خلال هذه الفترة، لا يحدث فراغ كما يظن البعض. بل على العكس تماماً، إنها أكثر الفترات نشاطاً خلف الكواليس:
إعادة تعبئة المخزون العسكري، تطوير أنظمة الدفاع، تعزيز القدرات الصاروخية، وتحسين الجاهزية اللوجستية. كل ذلك يتم بهدوء، تحت مظلة “التهدئة”.
وفي الوقت ذاته، تُعاد صياغة التحالفات. التنسيق الدولي، خصوصاً مع القوى الكبرى، لا يتم في أوقات التصعيد، بل في لحظات الهدوء المدروس. الهدنة هنا تتحول إلى مساحة آمنة لإعادة ترتيب المسرح بالكامل ، سياسياً وعسكرياً.
الأخطر في هذا النوع من الهدن أنه يعطي انطباعاً زائفاً بالاستقرار. الشارع يهدأ، الإعلام ينشغل بمسارح اخرى، لكن مراكز القرار تعمل بأقصى طاقتها. ما يبدو نهاية مرحلة، قد يكون في الحقيقة بداية مرحلة أكثر حدة ووضوحاً.
الهدنة الاستراتيجية، إذن، ليست هدنة بالمعنى التقليدي، بل هي أداة من أدوات الحرب نفسها. تُستخدم لتقليل المخاطر المؤقتة، وتضخيم القدرة على الحسم لاحقاً.
والسؤال الحقيقي ليس: لماذا حدثت الهدنة؟
بل: ماذا يُحضَّر بعدها؟
لأن في عالم الصراعات الكبرى،
أخطر ما في الهدوء… أنه ليس بريئا


















