الجباية النقابية: عندما تصبح النقابات المهنية عائقاً أمام الحيوية الاقتصادية

م. معاذ المبيضين
تأسست النقابات المهنية في الأردن على قاعدة صلبة من الرغبة في تنظيم المهن، وحماية المعايير الأخلاقية والمهنية، وبناء شبكة أمان اجتماعي لمنتسبيها. فكانت الفلسفة تقتضي أن تكون هذه المؤسسات رافعة للدولة والمجتمع. إلا أن مشهداً مختلفاً بدأ يتشكل موخراً؛ حيث تحولت بعض هذه الكيانات من بيوت خبرة وتنظيم مهني إلى مؤسسات بيروقراطية شائخة تعاني من تضخم المصاريف الإدارية، مما دفعها للبحث عن حلول تمويلية سهلة عبر فرض الرسوم والغرامات على الأنشطة والقطاعات المشابهة، مما يضعنا أمام سؤال جوهري حول أثر هذا السلوك على الحرية الاقتصادية والمناخ الاستثماري العام.
سلوك بتنا نلاحظه بوضوح في ممارسات بعض النقابات، كنقابة الفنانين، التي باتت تفرض رسماً على أي نشاط فني أو ترفيهي، حتى وإن لم يكن القائمون عليه من منتسبيها. وهو ما يمثل حالة من اللجوء لأقصر الطرق بالتغول التشريعي، عند عجز النقابات عن الابتكار في استثمار أصولها أو تقديم قيمة مضافة حقيقية لمنتسبيها.
هذا التحول يحول النقابات من جهة ناظمة إلى جهة جابية. والمشكلة هنا ليست في تحصيل الرسوم بحد ذاتها، بل في توظيف هذه الرسوم لتمويل نفقات تشغيلية لنقابات بعضها يعاني من الترهل. فاستدامة المؤسسة لا ينبغي أن تكون عبئاً على النشاط الاقتصادي العام، بل يجب أن تنبع من كفاءة إدارة مواردها. وعندما يصبح هدف البقاء المالي للنقابة مقدماً على هدف تنشيط القطاع، نكون أمام مؤسسة تعيق نمو المجال الذي كان من المفترض أن ترعاه.
ينتقل هذا السلوك ليأخذ شكلاً آخر من أشكال التشوه في نقابات أخرى، كنقابة الصحفيين، حيث يبرز الصراع بين حماية حقوق الأعضاء وبين واقع الحريات الاقتصادية للمؤسسات الإعلامية (المواقع الإخبارية). فالسعي لتحقيق منافع محصورة في فئة محددة عبر فرض قيود تشريعية أو مالية على الفاعلين الجدد في السوق، يضرب مبدأ تكافؤ الفرص في مقتل.
في المنظور الاستراتيجي، يؤدي هذا الانحياز إلى خلق بيئة طاردة للمبادرات الفردية والمشاريع الناشئة. فالمستثمر الصغير في قطاع الإعلام أو الفنون يجد نفسه أمام جدار من الاشتراطات والرسوم التي لا تعود عليه بنفع مهني، بل تذهب لتغطية عجز صناديق نقابية قد لا تمثله أصلاً. هذا السلوك يكرس اقتصاد الريع المهني، حيث تُستغل التشريعات القديمة لابتزاز النشاط الاقتصادي الحديث بدلاً من دعمه.
لا يتوقف أثر هذه الممارسات عند حدود النقابة، بل يمتد ليشكل ضغطاً على الاقتصاد الأردني الكلي. ففرض الغرامات والرسوم المرتفعة على الأنشطة الثقافية أو الإعلامية أو المهنية يقلل من جاذبية هذه القطاعات، ويحد من قدرتها على توليد فرص العمل. فالحرية الاقتصادية تتطلب سلاسة في ممارسة الأعمال، بينما تعمل الأنظمة النقابية الحالية كجمارك داخلية تعرقل تدفق الأنشطة.
إن الاقتصاد الذي يبحث عن التحول الرقمي والابتكار لا يمكنه التعايش مع تشريعات نقابية وضعت في سياقات زمنية مختلفة تماماً، حيث لم تعد الدولة قادرة على تحمل كلفة الترهل المؤسسي الذي تمارسه هذه الكيانات تحت غطاء الاستقلال المالي والإداري. والمخرج من هذا المأزق يتطلب جرأة في مراجعة الأطر القانونية الناظمة لعمل النقابات. والفلسفة المقترحة هنا تكمن في تحويل النقابات لتكون أقرب إلى "جمعيات مهنية" (Professional Associations) تعمل في بيئة تنافسية، وتتحمل مسؤولية تمويل نفقاتها من خلال تقديم خدمات حقيقية وقيمة مضافة لمنتسبيها وللسوق، لا عبر فرض إتاوات تشريعية على الآخرين. وتعديل القوانين هنا يجب أن يهدف إلى فك الارتباط بين التنظيم المهني والجباية المالية. فاستمرار منح النقابات سلطة فرض الغرامات على غير المنتسبين لتمويل رواتب موظفيها هو خلل بنيوي يسيء لمفهوم الحكم الرشيد والمواطنة الاقتصادية.
أخيراً، إن الدولة القوية هي التي تحمي النشاط الاقتصادي من تغول المصالح الفئوية الضيقة. وبقاء النقابات رهينة لنموذج تمويلي يعتمد على عرقلة الأنشطة بدلاً من تحفيزها، سيؤدي بالضرورة إلى مزيد من الركود في قطاعات حيوية. فهل نملك الإرادة لإعادة تعريف "النقابة" كشريك في التنمية، أم سنبقى نشاهدها وهي تتحول إلى عبء إداري يقتات على ما تبقى من طموح اقتصادي؟



















