+
أأ
-

الصين في حسابات الخليج

{title}
بلكي الإخباري

إلهام لي تشاو

لم يعد الاتصال الهاتفي الذي جرى في هذا الأسبوع بين الرئيس الصيني شي جين بينغ وولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان خبرا ثنائيا عاديا. فالمعلن من الجانبين أظهر أن النقاش لم يقتصر على العلاقات بين بكين والرياض، بل شمل الدعوة إلى وقف فوري وشامل لإطلاق النار، والحفاظ على المرور الطبيعي في مضيق هرمز، وتأثير الحرب في أمن دول الخليج وفي إمدادات الطاقة والاقتصاد الدولي. وعندما يقول الجانب السعودي إن الحرب الراهنة تضر بأمن الخليج وتربك الطاقة والاقتصاد العالميين، ثم يربط ذلك بالحاجة إلى تعزيز التنسيق مع الصين، فإن الرسالة الأهم هنا أن بكين لم تعد تُقرأ خليجيا بوصفها شريكا تجاريا كبيرا، بل طرفا له وزن في معادلة الاستقرار الإقليمي.
ومن هذه الزاوية تحديدا، لا تكمن أهمية الاتصال في بعده السعودي-الصيني الضيق، بل في كونه يعكس تحولا أوسع في نظرة دول الخليج إلى العلاقة مع الصين. ففي السنوات الماضية، حضرت الصين في الوعي الخليجي أساسا من بوابة النفط والتجارة والاستثمار. أما اليوم، فيبدو أنها تدخل أكثر فأكثر في مساحة أوسع تشمل أمن الممرات البحرية، وتخفيف المخاطر الإقليمية، والتنسيق السياسي في لحظات التوتر الكبرى. وهذا لا يعني أن الخليج يستبدل شريكا دوليا بآخر، بقدر ما يعني أنه يوسع خياراته ويرتب علاقاته الخارجية على نحو أكثر توازنا وبراغماتية. وهذه قراءة تحليلية، لكنها تستند إلى طبيعة الملفات التي طُرحت علنا في الاتصال الأخير نفسه، وإلى المسار المؤسسي الذي بُني خلال الأعوام الماضية.
وقد شكلت قمم الرياض في ديسمبر عام 2022 نقطة الانعطاف الأوضح في هذا المسار. ففي التاسع من ذلك الشهر عُقدت في الرياض القمة العربية الصينية الأولى، وصدر عنها “إعلان الرياض” الذي أعلن الاتفاق على بذل الجهود لبناء مجتمع صيني-عربي ذي مستقبل مشترك في العصر الجديد. وفي الفترة نفسها، عُقدت أيضا قمة الصين-مجلس التعاون، التي اعتُبرت محطة ذات دلالة كبيرة في العلاقات بين الجانبين، واعتمدت خطة عمل للحوار الاستراتيجي للفترة 2023-2027 إلى جانب بيان مشترك لتعزيز الشراكة الاستراتيجية بين الصين ودول المجلس. وهذا التطور مهم لأنه نقل العلاقة من نطاق المنفعة الاقتصادية المباشرة إلى إطار أكثر مؤسسية وانتظاما.
ثم جاءت تحركات عام 2025 لتؤكد أن هذا المسار ليس رمزيا. أعلنت الصين في مايو الماضي إعفاء مواطني السعودية وعمان والكويت والبحرين من التأشيرة على أساس تجريبي، بما جعل جميع دول مجلس التعاون تتمتع بترتيبات إعفاء من التأشيرة مع الصين، إما بشكل أحادي أو متبادل. وهذه كلها مؤشرات على أن العلاقة تتحرك في اتجاه أكثر كثافة وتشابكا، لا في مستوى القمم فقط بل في المصالح والروابط العملية أيضا.
ومن هنا تكتسب القمة العربية الصينية الثانية أهمية خاصة. فبحسب المعلومات المعلنة في ديسمبر الماضي، دعمت السعودية استضافة الصين لهذه القمة في 2026، كما رحب الجانب الصيني بمشاركة ولي العهد السعودي فيها. لكن القيمة الفعلية للقمة، من منظور خليجي، لا تكمن رمزيا فقط، بل في ما إذا كانت ستنقل العلاقات العربية مع الصين من مستوى التفاهمات العامة إلى مستوى أجندة تنفيذية أكثر وضوحا وانتظاما. يمكن النظر إلى هذه القمة باعتبارها اختبارا لما إذا كان المسار الذي بدأ في الرياض عام 2022 قادرا على إنتاج مرحلة جديدة تتجاوز العناوين الكبرى إلى آليات أكثر رسوخا في التجارة والاستثمار والتكنولوجيا وسلاسل الإمداد، وربما أيضا في التشاور السياسي حول أزمات المنطقة.
لهذا كله، تبدو السعودية هنا أكثر من مجرد طرف في علاقة ثنائية مع الصين، فهي تعكس، بدرجة كبيرة، اتجاها خليجيا أوسع. فدول الخليج لا ترى في الصين اليوم مجرد سوق كبيرة أو مستورد رئيس للطاقة، بل تراها أيضا شريكا في التنمية، ومصدرا للتكنولوجيا، وقناة للتنسيق السياسي في بيئة إقليمية شديدة الاضطراب. وفي منطقة يُعاد فيها رسم التوازنات بسرعة، تصبح قيمة الصين في الحسابات الخليجية نابعة من كونها تضيف خيارا استراتيجيا جديدا، لا لأنها تحل محل الآخرين، بل لأنها توسّع هامش الحركة أمام الخليج. ولهذا تحديدا، لم تعد الصين بعيدة عن حسابات الخليج، بل أصبحت جزءا منها.