د. ريم الزعبي تكتب : خريطة طريق ملكية لمواجهة خطاب الكراهية وعي إعلامي يبني مجتمعاً أكثر أماناً

في عالم تزداد فيه سرعة الاتصال، وتتسع رقعة التأثير عبر الفضاء الرقمي، باتت مسؤوليتنا تجاه حماية المجتمع من خطاب الكراهية أكبر وأكثر تعقيداً من أي وقت مضى. لم يعد الخطاب العدائي مجرد كلمات عابرة، بل أصبح منظومة مؤثرة تنتشر عبر منصات التواصل وتشكل جزءاً من الوعي الجمعي، وتزرع بذور الانقسام والتطرف.
وفي هذا السياق، فإن كلمة جلالة الملك عبدالله الثاني في الدوحة تعكس رؤية استراتيجية عميقة، وتقدم خارطة طريق واضحة وشاملة للتعامل مع هذا الخطر المتنامي، الأمر الذي يتطلب استجابة وطنية كاملة لمواجهة أي خطاب عدائي أو رد فعل شعبوي عبر الإعلام.
إن خطاب جلالة الملك لم يكن فقط توجيهاً من القمة، بل نداء وطني يؤكد أن حماية المجتمع مسؤولية جماعية يشترك فيها الجميع، من مؤسسات الدولة ووسائل الإعلام إلى الأسرة والمدرسة والمواطن. إننا أمام مرحلة تتطلب وعياً متقدماً، وحساً وطنياً عالياً في التعامل مع المحتوى المتداول، وإدراكاً بأن منصات التواصل ليست مجرد أدوات تقنية، بل ساحات تشكل الرأي العام وصناعة القناعات، تُستخدم كما تخدم البناء كما قد تُستغل للهدم.
واليوم، لم يعد إنتاج المحتوى الإعلامي حكراً على المؤسسات الصحفية أو الإعلام التقليدي، فأي شخص يمتلك هاتفاً ذكياً أصبح قادراً على أن يكون مصدراً للمعلومة، وصانعاً للحدث، ومؤثراً في الرأي العام، بغض النظر عن عمره أو مستوى تعليمه.
وهنا تكمن الخطورة في غياب الوعي، وإن تركت المنصات المفتوحة دون توجيه، فإنها تتحول إلى بيئة خصبة لانتشار خطاب الكراهية والتحريض والانقسام. لذا فإن تعزيز التربية الإعلامية أصبح ضرورة وطنية، وليست خياراً، من خلال برامج تعليمية تعزز التفكير النقدي، وتساعد في التحقق من الأخبار، وتبني وعياً مجتمعياً يحمي من التضليل.
كما أن بناء مجتمع متماسك يتطلب أن يكون هناك تعاون بين جميع الأطراف، وتكامل في الأدوار بين المؤسسات الرسمية، والقطاع الخاص، والمجتمع المدني، بما يضمن بيئة إعلامية صحية قائمة على الحوار والاحترام المتبادل.
إن الوعي الإعلامي هو خط الدفاع الأول في مواجهة خطاب الكراهية، وهو السبيل لبناء مجتمع أكثر أماناً واستقراراً، يحافظ على وحدته الوطنية، ويعزز من قيم التسامح والانتماء.
لم تعد المعلومة تأتي من التلفاز أو الصحف التقليدية فقط، بل أصبح الإنترنت، بكل ما يحتويه من مصادر غير موثوقة، هو المرجع الأول لجيل كامل.
من هنا، يأتي تعزيز التربية الإعلامية بوصفه ضرورة وطنية، وليس خياراً، من خلال برامج تعليمية تعزز التفكير النقدي، وتساعد في التحقق من الأخبار المضللة، وتبني وعياً وطنياً متماسكاً يحمي الشباب من الانزلاق في خطاب الكراهية.
ولا بد من وضع خطة وطنية موحدة لترسيخ هذه الثقافة في المدارس والجامعات، وتدريب المعلمين والإعلاميين، وإطلاق حملات توعية مجتمعية شاملة، تضمن حماية شبابنا، والحفاظ على وحدة الصف الوطني، انسجاماً مع رؤية جلالة الملك في بناء مجتمع قوي متماسك، وعصّي على الفتن.
إن مسؤوليتنا اليوم أن نحول هذه الرؤية الملكية إلى ممارسة يومية واعية، وأن تكون درعاً يحمي قيم السلم والاحترام، ويعزز من تماسك المجتمع الأردني، ويضعه في مصاف المجتمعات التي تؤمن بالحوار لا الانقسام.
ويأخذ خطاب الكراهية في الفضاء الرقمي أشكال متعددة، منها الصور الكاريكاتيرية الساخرة التي تحمل رسائل مسمومة، والرموز التعبيرية التي تبدو بسيطة لكنها تخفي دلالات عميقة في سياقها المستخدم.
كما أن بعض المصطلحات والمفردات التي تستخدم في إثارة النعرات، والتحريض، تشكل جزءاً من هذا الخطاب الذي يتسلل تدريجياً إلى الوعي المجتمعي.
وأبرز تجليات هذا الخطاب هو التنمر الإلكتروني، الذي لم يعد مجرد سلوك فردي، بل ظاهرة تؤثر في العلاقات الاجتماعية، وقد تتطور لتصبح سبباً في بعض الجرائم المجتمعية.
وفي ظل هذه البيئة الرقمية المتشابكة، تبرز الأسرة كخط الدفاع الأول، إلا أن الواقع يكشف عن أزمة تواصل داخل بعض الأسر، إذ أظهرت الإحصاءات أن بعض الآباء لا يقضون مع أبنائهم أكثر من بضع دقائق يومياً، وهي مدة لا تكفي لبناء حوار حقيقي أو فهم اهتمامات الأبناء أو مراقبة مصادر معلوماتهم
وفي ظل هذا الواقع، تزداد الحاجة إلى تفعيل دور الأسرة بشكل أكثر فاعلية، ليس فقط من خلال الرقابة، بل عبر بناء جسور الثقة والحوار المفتوح مع الأبناء، ومشاركتهم اهتماماتهم الرقمية، وتوجيههم نحو الاستخدام الآمن والمسؤول للتكنولوجيا.
كما أن المؤسسات التعليمية مطالبة اليوم بتعزيز مهارات التفكير النقدي لدى الطلبة، وتزويدهم بالأدوات التي تمكنهم من التمييز بين المحتوى الموثوق والمحتوى المضلل، وغرس قيم التسامح واحترام الآخر، بما يسهم في بناء جيل واعٍ قادر على مواجهة التحديات الفكرية والإعلامية.
ولا يقل دور وسائل الإعلام أهمية، إذ يتعين عليها الالتزام بالمعايير المهنية والأخلاقية، وتقديم محتوى مسؤول يعزز من تماسك المجتمع، ويتصدى لخطابات الكراهية والتضليل، بدلاً من الانجرار وراء الإثارة أو تحقيق نسب مشاهدة على حساب القيم المجتمعية.
كذلك، فإن التشريعات والقوانين يجب أن تواكب التطورات الرقمية، من خلال وضع أطر قانونية واضحة تجرّم خطاب الكراهية والتحريض، وتحمي الأفراد والمجتمع من مخاطره، مع ضمان حرية التعبير المسؤولة التي لا تتعدى على حقوق الآخرين.
إن مواجهة خطاب الكراهية ليست مسؤولية جهة واحدة، بل هي جهد تكاملي يتطلب تضافر جميع القوى في المجتمع، من أفراد ومؤسسات، والعمل بروح الفريق الواحد لتحقيق بيئة رقمية آمنة وإيجابية.
وفي الختام، يبقى الوعي الإعلامي حجر الأساس في بناء مجتمع متماسك، قادر على التصدي للتحديات، ومحصن ضد محاولات بث الفرقة والانقسام، ومؤمن بأن الحوار والتفاهم هما السبيل الأمثل لبناء مستقبل أفضل.



















