شطنا حين يزهر الربيع في ذاكرة المكان ويصحو التراث على وقع الزوار

في أقصى الشمال، تستعيد قرية شطنا في لواء بني عبيد حضورها كواحدة من أنقى النماذج الريفية التي نجت من فوضى العمران، محتفظة بملامحها التراثية ووحدة أراضيها، لتغدو في الربيع مقصدًا للباحثين عن صفاء الطبيعة وصدق المكان.
ومع انفتاح الربيع، شهدت القرية حركة لافتة من الزوار، الذين جذبهم المشهد الأخضر الممتد بين السهول والتلال، حيث تتداخل زرقة السماء مع خضرة الأرض في لوحة طبيعية آسرة.
وتقول زينب المومني، القادمة من قرية النعيمة: "كأننا عدنا إلى زمن أجمل"، مضيفة أن شطنا ليست مجرد قرية، بل حالة وجدانية تعيد الإنسان إلى بساطة الحياة، حيث البيوت متقاربة بروحها، والطبيعة بعيدة عن ضجيج الإسمنت، في انسجام لافت بين الإنسان والمكان.
أما أم محمود الخليل من مدينة الحصن، فتصف زيارتها بأنها "رحلة إلى الجذور"، مؤكدة أن شطنا حافظت على هويتها بشكل نادر، فلا يشعر الزائر فيها بالغربة، بل يستقبل كأحد أبنائها، مشيرة إلى أن الربيع فيها ليس مجرد فصل، بل طقس حياة تتفتح فيه الأرض كما القلوب.
من جهته، يرى عصام سليم من ضواحي إربد، أن شطنا تمثل نموذجًا يُحتذى في الحفاظ على الموروث، مشيرًا إلى أن غياب التمدد العمراني العشوائي منحها خصوصية بصرية وبيئية، وجعلها وجهة مميزة للسياحة الداخلية، خاصة في فصل الربيع.
بدوره، أكد رئيس منتدى الحصن الثقافي الدكتور خلدون نصير، أن شطنا ليست مجرد قرية جميلة، بل حالة ثقافية متكاملة تعكس وعي أهلها بأهمية الحفاظ على الإرث العمراني والبيئي، موضحًا أن ما تشهده اليوم هو نتاج تراكم من القيم التي احترمت الأرض ورفضت تشويهها.
وأضاف، أن القرية تقدم نموذجًا عمليًا للتوفيق بين الحداثة والحفاظ على الهوية، حيث بقيت البيوت متماسكة في شكلها، والأراضي موحدة في روحها، ما أتاح للطبيعة أن تبقى حاضرة بكل تفاصيلها.
وأشار إلى أن شطنا مرشحة لتكون نموذجًا وطنيًا في السياحة البيئية والثقافية، إذا ما أُدرجت ضمن خطط مدروسة تحافظ على خصوصيتها بعيدًا عن الاستثمار العشوائي، مؤكدًا أن الزائر فيها "لا يزور مكانًا فقط، بل يدخل في حوار صامت مع التاريخ والطبيعة والإنسان".
وأكد أستاذ كلية السياحة والفنادق الأستاذ الدكتور حكم شطناوي، أن القرية تمثل نموذجًا متقدمًا لما يُعرف بالسياحة العلاجية بالطبيعة أو "سياحة الاستجمام"، القائمة على استثمار البيئة المحلية دون استنزافها، بما يعزز استدامتها.
وأوضح، أن قربها من مدينة إربد يمنحها ميزة تنافسية كوجهة مفضلة للسياحة الداخلية، خاصة للأكاديميين والطلبة والعائلات الباحثة عن الهدوء، ما يؤهلها لتكون مقصدًا رئيسيًا في عطلات نهاية الأسبوع.
وأشار إلى إمكانية تطوير منتجات سياحية محلية تدعم الاقتصاد المجتمعي، من خلال تحويل البيوت الحجرية إلى بيوت ضيافة، وربط السياحة بالمواسم الزراعية كالحصاد وقطاف الزيتون، بما يوفر تجربة ريفية أصيلة.
وبيّن، أن تحقيق التنمية السياحية المستدامة يتطلب إشراك المجتمع المحلي عبر جمعيات وتعاونيات، تضمن عدالة توزيع العوائد، وتحافظ على الموارد الطبيعية، مع الالتزام بالطابع الريفي والهوية المعمارية.
وشدد على أهمية تحديد الطاقة الاستيعابية، وإعطاء الأولوية لترميم المباني التراثية بدلًا من التوسع العمراني، ومنع المشاريع التجارية الكبيرة التي قد تؤثر سلبًا على البيئة، إلى جانب اعتماد خطط لإدارة النفايات والحفاظ على الغطاء النباتي.
وفيما يتعلق بدمج شطنا ضمن الخارطة السياحية لشمال المملكة، دعا إلى تبني نهج تكاملي يربطها بمسارات بيئية ودينية وتاريخية، وإنشاء مركز تعريفي يعكس تاريخها، وتعزيز حضورها الرقمي.
من جانبها، أكدت الأستاذة في إدارة السياحة التراثية في جامعة اليرموك الدكتورة فخرية درابسة، أن شطنا تمتلك مقومات تؤهلها لتكون نموذجًا ناجحًا في سياحة الاستجمام، بفضل موقعها وسهولة الوصول إليها مع احتفاظها بطابعها الريفي.
وأشارت إلى أهمية تصميم حزم سياحية تستهدف سكان المدن ضمن مفهوم "الهروب إلى الريف"، تشمل تجارب تفاعلية كالأنشطة الزراعية والجلسات الخارجية والمأكولات الريفية، بما يسهم في خلق طلب سياحي مستدام.
وشددت على ضرورة تمكين المرأة الريفية عبر دعم مشاريع المطبخ الإنتاجي والحرف اليدوية، وتعزيز الشراكة مع المؤسسات التعليمية، خاصة جامعة اليرموك، لاستقطاب الرحلات التعليمية على مدار العام.
وحذرت من مخاطر التنمية غير المدروسة، مؤكدة أهمية الالتزام بالطراز المعماري المحلي، ومنع البناء العشوائي، وإجراء دراسات أثر بيئي لحماية المساحات الخضراء والأراضي الزراعية.
وأضافت، أن شطنا يمكن أن تشكل نقطة ربط ضمن مسارات سياحية متكاملة، تشمل المسارات الدينية والتاريخية لمدن الديكابوليس، إلى جانب تطوير مسارات بيئية للمشي وركوب الدراجات، وتنظيم مهرجانات تراثية.
وأكدت في ختام حديثها، أن نجاح التنمية في شطنا مرهون بإشراك المجتمع المحلي كشريك فاعل في التخطيط والتنفيذ، بما يضمن الاستدامة والحفاظ على الهوية.
وبين شهادات الزوار ورؤى المختصين، تبدو شطنا أكثر من مجرد قرية شمالية؛ فهي نموذج حي للتناغم بين الإنسان والطبيعة، ووجهة ربيعية متجددة، وذاكرة مكان لا تشيخ















