+
أأ
-

العلاقات الصينية الإماراتية في ظلّ شبح الحرب

{title}
بلكي الإخباري


التقى الرئيس الصيني شي جين بينغ هذا الأسبوع ولي عهد أبوظبي الشيخ خالد بن محمد بن زايد آل نهيان، في بكين، حيث طرح أربع نقاط بشأن الحفاظ على السلام والاستقرار في الشرق الأوسط وتعزيزهما. وتكتسب هذه النقاط أهمية خاصة في سياق الأحداث الراهنة حيث انتهت المحادثات بين الولايات المتحدة وإيران في إسلام آباد دون تحقيق أي توافق، وفرضت الولايات المتحدة حصارا بحريا لمضيق هرمز، مما أعاد المضيق إلى صدارة التنافس السياسي والأمني ​​العالمي في مجال الطاقة.

بالنسبة للإمارات العربية المتحدة، لا يعد هذا نقاشا دبلوماسيا بعيدا، بل قضية حقيقية ترتبط ارتباطا وثيقا بأمن الملاحة البحرية وصادرات الطاقة وثقة المستثمرين ومكانتها كمركز وطني. ولهذا السبب تحديدا، تلقى نقاط شي جين بينغ الأربع صدى أكبر لدى دول الخليج، بما فيها الإمارات.

أول هذه النقاط هي "التعايش السلمي". فدول الخليج العربي وإيران جيران، ولا يمكن لأحد أن يُجبر جاره على الرحيل. لا يكمن الخطر في مضيق هرمز اليوم في السفن الحربية والصواريخ والحصار، بل في جر هذا الممر المائي الدولي إلى منطق الضغط الأحادي والردع المتبادل. وقد صرح وزير الخارجية الصيني وانغ يي خلال لقائه مع المبعوث الخاص لرئيس دولة الإمارات العربية المتحدة للشؤون الصينية بوضوح أن التوصل إلى وقف شامل ودائم لإطلاق النار عبر الوسائل السياسية والدبلوماسية هو الحل الأمثل لهذه المشكلة.

ويتردد صدى مبدأ "السيادة الوطنية" بقوة أكبر. فقد دعمت الصين صراحة دولة الإمارات العربية المتحدة في حماية سيادتها الوطنية وأمنها وحقوقها ومصالحها المشروعة في بياناتها. كما أكد شي جين بينغ على ضرورة الاحترام الحقيقي لسيادة دول الخليج وأمنها ووحدة أراضيها في الشرق الأوسط. وإذا كانت دولة الإمارات العربية المتحدة تأمل في الاستمرار في كونها مركزا رئيسيا لرأس المال العالمي والخدمات اللوجستية والطيران والمواهب، فعليها ضمان عدم تآكل أمنها القومي باستمرار نتيجة لتداعيات الصراعات، وعدم وقوع موانئها ومطاراتها وشركاتها وسكانها ضحايا جانبية في صراعات القوى الإقليمية.

الكلمة المفتاحية الثالثة هي "سيادة القانون الدولي". وقد أشار شي جين بينغ تحديدا إلى أن ترسيخ سيادة القانون الدولي لا يمكن أن نستخدمها عندما يناسبنا ونتخلى عنه عندما لا يناسبنا، ولا يمكن السماح للعالم بالعودة إلى قانون الغاب. هذا الرأي يعالج بدقة جوهر الوضع الراهن الأكثر خطورة. فبمجرد أن تستخدم الممرات المائية الدولية والمناطق البحرية الإقليمية بشكل متزايد كورقة ضغط عسكرية وسياسية، لن تقتصر آثارها الجانبية على إيران وحدها. وباعتبارها دولة تجارية وبحرية، تعتمد الإمارات العربية المتحدة على القواعد والنظام بشكل أكبر بكثير من العديد من الدول غير الساحلية، وبالتالي فهي تدرك بشكل أفضل أهمية سيادة القانون لتحقيق السلام الإقليمي.

أما النقطة الرابعة، "تنسيق التنمية والأمن"، فهي عمليا اللغة السياسية الأكثر واقعية التي تستخدمها الإمارات العربية المتحدة حاليا. فخلال زيارة ولي عهد أبوظبي إلى الصين، وقع البلدان 24 مذكرة تفاهم؛ كما شملت وثائق التعاون التي شهدها رئيس الوزراء لي تشيانغ وولي العهد العديد من المجالات ذات الأولوية، مثل الطاقة النظيفة والاستثمار والزراعة المستدامة والعلوم الصحية والتقنيات المتقدمة. أكد الجانب الإماراتي أيضا على ضرورة الارتقاء بالتعاون الثنائي إلى مستوى أعلى من التكامل. بعبارة أخرى، لا تتطلع كل من الصين والإمارات إلى مزيد من الأعمال التجارية فقط، بل إلى بناء أسس متين للنمو والمرونة والأمن.

وتتضح أهمية هذه الإنجازات بشكل أكبر عند النظر إليها في سياق أجندة التنمية الوطنية لدولة الإمارات. لقد يتجاوز حجم التبادل التجاري النفطي بين الصين والإمارات وأفريقيا 100 مليار دولار لأول مرة في عام 2025، ليصل إلى 111.5 مليار دولار. وخلال المحادثات، أعربت الصين عن رغبتها في ترسيخ أسس التعاون في مجال الطاقة مع الإمارات، وتوسيع نطاق التعاون في مجالات مثل تخزين الطاقة وطاقة الهيدروجين ومركبات الطاقة الجديدة وبطاريات الطاقة. كما رحبت الصين بزيادة استثمارات الإمارات في الذكاء الاصطناعي والاقتصاد الرقمي والتصنيع المتقدم وعلوم الحياة. وفي الوقت نفسه، أعلنت الاتحاد للطيران، خلال زيارتها للصين، عن توسع كبير في شبكة خطوطها الجوية إلى الصين، حيث أطلقت خمسة خطوط جديدة إلى المدن الصينية بإضافة 28 رحلة أسبوعيا. تشكل هذه التفاصيل الاقتصادية الركيزة الأساسية للاستقرار الإقليمي: فزيادة التجارة والاستثمار والتبادلات الشعبية وتعزيز روابط سلاسل التوريد كلها عوامل تقوّض منطق الحرب.

والأهم من ذلك، أنه خلال لقائه مع شي جين بينغ، صرح ولي عهد أبوظبي بأن دولة الإمارات تقدّر الدور المسؤول والبناء الذي تضطلع به الصين في الشؤون الدولية، وأنها على استعداد للحفاظ على تواصل وتنسيق وثيقين معها لتعزيز وقف إطلاق النار ووقف الأعمال العدائية بين الأطراف المعنية. وهذا يبيّن أن التعاون الصيني الإماراتي لم يعد مجرد امتداد للتعاون الاقتصادي والتجاري الثنائي، بل يتجلى بشكل متزايد في مصلحة مشتركة للنظام الإقليمي: فالإمارات بحاجة إلى خليج مستقر وآمن، والصين بحاجة أيضا إلى شرق أوسط سلمي ومنفتح ومستدام.