+
أأ
-

القدس ...الحاضرة في الوجدان الوطني الأردني

{title}
بلكي الإخباري

 

كتب جمال عقل 

لطالما شكلت القدس  بقدسيتها الروحية والتاريخية، بؤرة اهتمام وصراع على مر العصور ، وفي ظل التغيرات الجيوسياسية المتلاحقة والتحولات الإقليمية والدولية، قد يبدو للبعض أن قضايا أخرى قد تطغى على أهمية القدس ، إلا أن الواقع على الأرض ، وعلى وجه الخصوص بالنسبة للاردن وقيادته المتمثلة بالملك عبد الله الثاني، يؤكد أن القدس لا تزال تحتل مكانة محورية، بل إنها تبقى على رأس سلم الأولويات ، ليس فقط كقضية دينية أو سياسية ، بل كمسؤولية تاريخية وأخلاقية وجغرافية لا يمكن التنازل عنها.

إن العلاقة بين الأردن والقدس ليست وليدة اللحظة ، بل هي متجذرة في التاريخ والجغرافيا والدين ، فمنذ تأسيس الدولة الأردنية الحديثة ، كانت القدس حاضرة في الوجدان الوطني والسياسة الخارجية ، وقد تعزز هذا الارتباط بشكل كبير بعد عام 1967، عندما تولى الأردن الوصاية على الأماكن المقدسة الإسلامية والمسيحية في القدس، وهو دور يتوارثه الهاشميون منذ عهد الشريف حسين بن علي ، هذه الوصاية ليست مجرد لقب شرفي ، بل هي التزام عملي يتطلب جهودًا مستمرة لحماية هذه المواقع وصيانتها وتأمين حرية الوصول إليها للمصلين والحجاج من مختلف أنحاء العالم.

في هذا السياق، يبرز دور الملك عبد الله الثاني كحامي للمواقع المقدسة في القدس ،  فمواقفه الثابتة والمستمرة ، وتصريحاته الدؤوبة، ومساعيه الدبلوماسية على المستويات كافة، تعكس إدراكه العميق لحساسية الوضع في المدينة المقدسة وتداعياته على الاستقرار الإقليمي والدولي ، فالملك يرى في القدس رمزًا للتعايش الديني والثقافي، ويسعى جاهداً للحفاظ على الوضع التاريخي القائم فيها ، لا سيما فيما يتعلق بالحرم الشريف ، الذي يضم المسجد الأقصى وقبة الصخرة. هذه الجهود المتواصلة تشمل حشد الدعم الدولي، والتواصل مع القيادات الدينية والسياسية المختلفة، والتصدي لأي محاولات لتغيير الطابع التاريخي والثقافي للمدينة أو المساس بالهوية العربية والإسلامية لها ، فالتحديات التي تواجه القدس جمة ومتنوعة ، فمن جهة ، تتزايد الضغوطات الهادفة إلى تغيير الواقع على الأرض من خلال الاستيطان المتواصل ، والتهويد ، والانتهاكات المستمرة للحرم الشريف ، ومن جهة أخرى ، تتأثر أولويات الدول والمجتمعات بالصراعات والأزمات المتفاقمة في مناطق أخرى من العالم ، مما قد يؤدي إلى تراجع الاهتمام الدولي بقضية القدس ،  ومع ذلك فإن الأردن بقيادة الملك عبد الله الثاني، يرفض الانجراف خلف هذه التحديات ، ويصر على إبقاء القدس في صدارة أجندته السياسية والإعلامية ،

وتتجلى هذه الأولوية في عدة جوانب ، فعلى المستوى الدبلوماسي ، يستثمر الأردن جهودًا كبيرة في المحافل الدولية ، سواء في الأمم المتحدة ، أو جامعة الدول العربية ، أو منظمة التعاون الإسلامي ، للدفاع عن حقوق الشعب الفلسطيني ، وفي مقدمتها حقه في القدس عاصمة لدولته ، كما أن المملكة تستمر بالتواصل مع الأطراف الفاعلة على الساحة الدولية ، بما في ذلك الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي ، لحثهم على لعب دور بناء في سبيل تحقيق سلام عادل وشامل ، يحترم حقوق جميع الأطراف ويحافظ على الوضع القانوني والتاريخي للقدس.

أما على المستوى العملي ، فإن الأردن  رغم إمكانياته المحدودة ، لا يدخر جهدًا في دعم صمود المقدسيين والحفاظ على هويتهم ، ويتمثل ذلك في تمويل مشاريع ترميم وصيانة للأماكن المقدسة، ودعم مؤسسات التعليم والصحة في القدس، وتشجيع السياحة الدينية والثقافية التي تعزز الوجود الفلسطيني في المدينة ، كما أن الوقف الإسلامي ، بإشراف الأردن، يلعب دورًا حيويًا في إدارة شؤون الحرم الشريف والحفاظ عليه ، هذه الجهود الملموسة تعكس التزام الأردن ليس فقط بالدفاع عن القدس، بل بدعم أهلها وتعزيز وجودهم فيها .

وفي ظل التغيرات الإقليمية، والتحديات الاقتصادية التي تواجهها المملكة، قد يتساءل البعض عن جدوى الاستمرار في التركيز على القدس ، لكن الملك عبد الله الثاني يرى في هذا الالتزام جزءًا لا يتجزأ من الهوية الأردنية ومسؤوليتها التاريخية ، فالقدس ليست مجرد قضية فلسطينية ، بل هي قضية عربية وإسلامية وإنسانية ، ولأن الأردن هو الوصي على المقدسات الإسلامية والمسيحية فيها ، فإن مسؤوليته تجاهها تتجاوز الاعتبارات السياسية أو الاقتصادية الآنية. 

إن الحفاظ على القدس هو بمثابة الحفاظ على جزء من إرث أمة، ومنعطف تاريخي وجغرافي لا يمكن التفريط فيه ، فالتحديات الأمنية التي تشهدها المنطقة، والصراعات التي تلتهم موارد الدول ، لا تعني بالضرورة إهمال القدس ،  بل على العكس ، فإن هذه الظروف تجعل التمسك بها كرمز للأمل والوحدة أكثر إلحاحًا ، فالصمود المقدسي، والدعم الأردني المستمر، والاهتمام الدولي المتجدد ، كلها عوامل يمكن أن تساهم في خلق زخم جديد للقضية.

 والملك عبد الله الثاني ، من خلال خطاباته المتواصلة ودوره الدبلوماسي النشط، يحرص على إبقاء القدس حاضرة في الأذهان، ويسعى لتوحيد الجهود الدولية لدعم حل عادل للقضية.

ختامًا ... يمكن القول بأن القدس، رغم كل ما يحدث في العالم من تحولات وصراعات، تبقى في صميم اهتمامات الأردن ، وعلى رأس سلم أولويات الملك عبد الله الثاني ، فهي ليست قضية هامشية يمكن استبعادها ، بل هي مسؤولية تاريخية وجغرافية ودينية لا يمكن التخلي عنها.

 فالاردن بقيادة جلالة الملك، يواصل جهوده الدؤوبة على كافة المستويات، الدبلوماسية والعملية والإعلامية، لحماية الأماكن المقدسة، ودعم صمود أهلها، والحفاظ على هويتها العربية والإسلامية والمسيحية ، فهذا الالتزام الراسخ يعكس إدراكًا عميقًا بأن مصير القدس يرتبط ارتباطًا وثيقًا بمصير المنطقة ، وبأن الحفاظ عليها هو جزء لا يتجزأ من السعي نحو سلام واستقرار عادل وشامل.