د. عمّار النوايسة يكتب : لا يمكننا الوقوف أمام الطبيعة، ولكن يمكننا الوقوف أمام الفاسدين إذا توفرت الإرادة

لا أحد يستطيع إيقاف المطر أو منع السيول أو التحكم بقوى الطبيعة حين تقرر أن تختبر جاهزيتنا. لكن ما لا يمكن تبريره هو أن تتحول كل حالة مطر في الأردن إلى أزمة، وكل شتاء إلى امتحان نفشل فيه، ليس لأن الطبيعة قاسية، بل لأن إدارتنا العامة هشة، وبنيتنا التحتية متهالكة، والمساءلة غائبة.
ما جرى مؤخرًا في الكرك، وما تكرر في محافظات عديدة، لم يكن مفاجئًا. المشكلة لم تكن في كمية الأمطار، بل في طرق لم تُصمَّم لتصمد، وشبكات تصريف أُنجزت على الورق أكثر مما أُنجزت على الأرض، ومشاريع استُلمت إداريًا قبل أن تُستكمل فنيًا. وهنا تبدأ الأسئلة الحقيقية: من خطط؟ من نفذ؟ ومن راقب؟
وفي خضم هذا المشهد، من غير العادل – بل من المضلل – أن يُلقى اللوم دائمًا على رؤساء البلديات وحدهم. فالحقيقة التي يعرفها كل من عمل في الشأن المحلي أن معظم البلديات الأردنية تعمل ضمن موازنات شديدة الضيق، وتُثقلها ديون متراكمة منذ سنوات، وتُكبّلها بيروقراطية خانقة تفرضها وزارة الإدارة المحلية، حيث تتعطل المشاريع بين الموافقات، والمخاطبات، واللجان، حتى يفقد المشروع جدواه أو توقيته.
رؤساء بلديات كُثر بذلوا ما استطاعوا ضمن الإمكانيات المتاحة، واجتهدوا في إدارة المتاح لا المثالي، لكنهم وُضعوا في الواجهة كـ“كبش فداء”، فيما بقيت حلقات القرار الأعلى، والجهات التي تملك المال والسلطة والتشريع، بعيدة عن المساءلة.
الأخطر من ذلك هو الغياب شبه التام للنواب، ورجالات الدولة الذين تبوؤوا مناصب تنفيذية وتشريعية على مدار سنوات. أين دورهم الرقابي؟ أين ضغطهم لتوجيه الموازنات نحو البنية التحتية؟ أين متابعتهم لمشاريع محافظاتهم؟ أم أن حضورهم يقتصر على المواسم الانتخابية والصور التذكارية؟
وفي الوقت الذي تتراكم فيه ديون البلديات، وتتآكل فيه البنية التحتية، يقف آلاف العاطلين عن العمل خارج دائرة الحل. كان يمكن – وما زال – تحويل ملف البنية التحتية إلى برنامج وطني للتشغيل، تُدار مشاريعه بكفاءة، وتُنفذ بأيدٍ أردنية، وتُراقَب بصرامة، بدل أن تتحول إلى باب للهدر، أو عبء جديد يُضاف إلى سجل الديون.
إننا لا نُحاسَب لأننا لم نمنع الطبيعة، بل لأننا لم نستعد لها. ولم نستعد لأن الفساد أُهمل، ولأن القرار تشتت، ولأن المسؤولية لم تكن يومًا في مكان واحد واضح يمكن مساءلته.
نعم، لا يمكننا الوقوف أمام الطبيعة، لكننا قادرون – إن توفرت الإرادة – على الوقوف أمام الفاسدين، وأمام البيروقراطية المعطِّلة، وأمام سياسة ترحيل الأزمات من حكومة إلى أخرى، ومن شتاء إلى شتاء.
الكرك، وكل محافظة تضررت، لا تحتاج لجان تحقيق مؤقتة ولا خطابات تضامن موسمية، بل تحتاج إرادة دولة، تُعيد الاعتبار للتخطيط، وتُحرر البلديات من قيودها، وتُحاسب من أخطأ، وتُنصف من عمل ضمن الممكن.
هذا وطن يستحق إدارة بحجم صبر أبنائه، لا أقل.
بقلم:
د. عمّار النوايسة



















