زياد العليمي يكتب :تكتيك الصقيع في مرجل النار: السياسة حين يحكمها العقل وتخذلها الأطراف

في دهاليز الزمن الذي لا يرحم والمزدحم بصراعات الوجود نجد أن السياسة لم تكن يوماً مجرد شعارات تهتف بها الحناجر بل هي في جوهرها ممارسة عقلانية تتطلب أعصاباً قد قُدّت من جليد صلب كي لا تنصهر تحت ضغط اللحظة وتندثر كبقايا حضارة دفنتها الرمال المتحركة إن العقل البارد في غمار الأزمة ليس ترفاً فكرياً بل هو طوق النجاة الوحيد أمام أمواج العاطفة الهادرة التي غالباً ما تورد الشعوب موارد الهلاك وما أعجب تلك المفارقة التي تفرض على القائد أن يمتلك جمجمة فاترة في تفكيرها لكنها تتصل بقلب يغلي بآلام المحرومين إذ إن الطامة الكبرى تكمن في تلك القيادات الباردة التي تحولت إلى أحجار صماء لا تستشعر أنين الجياع ولا طموح الحالمين فصارت كالأصنام التي لا تضر ولا تنفع بل هي العبء الذي يثقل كاهل التاريخ ولعل أخطر ما يواجه المجتمعات هو ذلك الركون إلى الصمت المطبق الذي يسبق العواصف حيث يغيب الوعي وتنام العقول في سبات عميق وهنا تبرز الحاجة الماسة إلى الأجراس التي رغم ضجيجها المزعج ورغم كراهية الناس لصوتها الصاخب الذي يقطع عليهم لذة النوم إلا أنها تبقى الوسيلة الوحيدة للانتشال من غفلة العدم فالأجراس لا تُقرع لتسليتنا بل لتوقظ فينا حاسة الحذر من الهاوية المتربصة بنا خلف منعطفات القرارات الخاطئة إننا نعيش صراعاً أزلياً بين حكمة التروي ورعونة الاندفاع وبين إنسانية الموقف وجمود الإدارة وما السياسة إلا ذلك الخيط الرفيع المشدود فوق بركان هائج يسير عليه من أوتي بصيرة تنفذ من خلال الغبار لترى المآلات البعيدة قبل وقوعها فلا قيمة لعقل يبرد حتى يتجمد عن الفعل ولا نفع لقلب يحترق حتى يرمي بصاحبه في أتون التهلكة بل هي الوحدة الجدلية بين وعي يخطط ببرود الجراح الماهر وروح تتحسس نبض الشارع بحرارة الأم على طفلها ليخرج القرار السياسي من هذا التزاوج الفريد قوياً قادراً على الصمود أمام رمال النسيان وتحديات الانهيار.



















