+
أأ
-

م . سعيد بهاء المصري : العالم على حافة اقتصاد مُجزّأ: السياسة أولًا والاقتصاد تابعًا

{title}
بلكي الإخباري

لم يعد الاقتصاد العالمي اليوم نتاج تفاعلات السوق أو آليات العرض والطلب التقليدية، بل أصبح انعكاسًا مباشرًا لقرارات سياسية وأمنية تتقدّم على أي اعتبار اقتصادي بحت. فالعولمة التي قامت على انسياب السلع ورؤوس الأموال باتت مقيدة باعتبارات الأمن القومي، وتحوّلت القواعد التي حكمت التجارة الدولية لعقود إلى استثناءات تُفعَّل أو تُعطَّل وفق ميزان القوى لا وفق منطق الكفاءة. في هذا السياق، لم يعد الاقتصاد يقود السياسة، بل أصبحت السياسة هي التي تحدد مسارات الاقتصاد وحدوده وسقوفه.

الصراعات الإقليمية كمحرّك مباشر لتفكك الاقتصاد العالمي

تشكل الصراعات الإقليمية الجارية اليوم وفي مقدمتها الحرب في أوكرانيا وما يشهده الشرق الأوسط من اشتعال متعدد الجبهات محركات رئيسية لتفكك النظام الاقتصادي العالمي. فالحرب الأوكرانية تجاوزت إطارها العسكري لتتحول إلى أداة لإعادة هندسة أسواق الطاقة والغذاء والنقل، حيث لم يعد التسعير مرتبطًا بالوفرة أو الندرة الفعلية، بل بمستوى المخاطر الجيوسياسية المتوقعة. أما في الشرق الأوسط، فإن تراكب الحروب المفتوحة مع التوترات البحرية والاصطفافات الإقليمية جعل المنطقة مصدرًا دائمًا لعدم اليقين، الأمر الذي انعكس مباشرة على كلفة الشحن والتأمين والاستثمار، حتى في الفترات التي لم تشهد تعطيلًا فعليًا للممرات الحيوية.

فوضى التعريفات والعقوبات: حين يتحول الاقتصاد إلى أداة صراع

أدّت العودة المكثفة إلى استخدام التعريفات الجمركية والعقوبات الاقتصادية، ولا سيما من قبل الولايات المتحدة وحلفائها، إلى تحويل الاقتصاد من مساحة تعاون إلى ساحة مواجهة. فهذه الأدوات لم تعد استثنائية أو مؤقتة، بل أصبحت جزءًا ثابتًا من ترسانة الصراع السياسي، ما أدى إلى تفكيك سلاسل القيمة العالمية ورفع كلفة الإنتاج على المستهلك النهائي، حتى داخل الدول التي تفرض هذه السياسات. الأخطر من ذلك أن قابلية التنبؤ وهي أساس أي استثمار طويل الأجل تآكلت بشكل غير مسبوق، ما دفع رأس المال العالمي إلى تبني سلوك حذر وقصير الأمد على حساب التنمية المستدامة.

أوروبا والاتحاد الأوروبي: الخاسر الهادئ في نظام عالمي مضطرب

تجد القارة الأوروبية نفسها في موقع الخاسر الصامت ضمن هذه التحولات، إذ تواجه في آن واحد تداعيات الحرب الأوكرانية على حدودها الشرقية، وتكاليف إعادة هيكلة منظومتها الطاقية، وضغوطًا تجارية متزايدة من حليفها الأميركي، وتنافسًا صناعيًا متصاعدًا مع الصين. ورغم ما يمتلكه الاتحاد الأوروبي من ثقل اقتصادي وصناعي، إلا أن هامش حركته الاستراتيجية يضيق، ما يجعله أكثر تبعية لقرارات لا يملك مفاتيحها كاملة، وأقل قدرة على حماية نموه واستقراره الاقتصاديين.

اقتصاديات دول العالم الثالث: الضحية الدائمة لفوضى لا تصنعها

في الطرف الأضعف من المعادلة، تقف دول العالم الثالث بوصفها الضحية الأكثر تضررًا من هذا التفكك، رغم أنها ليست صانعة له. فارتفاع كلفة الطاقة والغذاء، وتشدد شروط التمويل، وتسييس النفاذ إلى الأسواق، كلها عوامل تعمّق فجوة التنمية وتعيد إنتاج التبعية بدل تجاوزها. وهكذا، تتحول الفوضى السياسية في النظام الدولي إلى عبء اقتصادي واجتماعي طويل الأمد على دول تعاني أصلًا من هشاشة بنيوية في اقتصاداتها.

الممرات العابرة للقارات في زمن الفوضى السياسية

يُنظر إلى الممرات العابرة للقارات كمحاولات لإعادة تنظيم التجارة العالمية، غير أن نجاحها يظل مرهونًا بعامل أساسي هو الاستقرار السياسي، إذ لا يمكن للبنية التحتية وحدها أن تعوّض غياب السلام والثقة بين الدول.

ممر الهند–الشرق الأوسط–أوروبا

يُنظر إلى ممر الهند–الشرق الأوسط–أوروبا بوصفه محاولة لإعادة رسم خرائط التجارة العالمية خارج المسارات التقليدية، غير أن نجاحه يظل مرهونًا بعامل أساسي هو الاستقرار السياسي. فالممر يمر عبر مناطق تشهد توترات وحروبًا مفتوحة، ما يجعله شديد الحساسية لأي تصعيد أمني، ويحدّ من قدرته على التحول إلى ركيزة موثوقة لسلاسل الإمداد العالمية.

مبادرة الحزام والطريق

في المقابل، أظهرت مبادرة الحزام والطريق قدرة أكبر على التكيّف مع البيئات غير المستقرة، بفضل تنويع مساراتها واعتمادها على شبكة واسعة من الطرق البرية والبحرية. إلا أن هذه المرونة لا تعفيها من تحديات حقيقية تتعلق بتراكم الديون، والضغوط السياسية الغربية، والمخاطر الأمنية في بعض مناطق العبور.

مفارقة ترامب: سلام بـ20 بندًا وجبهات مفتوحة

هنا يبرز السؤال الجوهري: كيف يمكن لرئيس أميركي أن يطرح مبادرات سلام شاملة من عشرين بندًا لكل من غزة وأوكرانيا، وفي الوقت ذاته يوسّع جبهات الضغط السياسي والاقتصادي في ملفات أخرى؟ الإجابة الأقرب إلى الواقع ليست توصيف ذلك بالتناقض، بل فهمه كنهج يقوم على تقسيم ساحات الصراع، حيث تُدفع التسويات في الجبهات عالية الكلفة، ويُسمح بالتصعيد في ساحات أخرى تكون الهيمنة فيها أسهل وأقل كلفة.

إذن: إلى أين يتجه الاقتصاد العالمي؟

إذن، ما يشهده العالم اليوم ليس أزمة اقتصادية دورية يمكن احتواؤها بأدوات نقدية أو مالية، بل أزمة في بنية النظام الدولي ذاته. فحين تتقدم السياسة على الاقتصاد، ويعلو منطق الأمن على منطق الكفاءة، وتُبنى الممرات التجارية في غياب السلام، يصبح النمو أبطأ، والكلفة أعلى، والعدالة أقل. وفي ظل هذا المسار، سيستمر الاقتصاد العالمي في العمل، لكنه سيفعل ذلك ضمن نظام أكثر هشاشة، وأقل قدرة على توليد الاستقرار والازدهار المشترك