إبراهيم شواهين يكتب :- خلف بريق الشاشات: المجتمع الأردني بين مطرقة الاستعراض وسندان الوعي.

في زمنٍ اختزلت فيه الشاشات المسافات وصارت اللحظة الرقمية معيارًا للحضور، نواجه في الأردن ظاهرةً لا تقل خطورة عن أي تحدٍ اجتماعي: تحوّل الفضاء العام إلى سوقٍ للمظاهر والتفاهة. ليس المقصود هنا الترفيه بحد ذاته، بل الانزلاق إلى ثقافةٍ تُقدّس السطح وتحتفي بالفراغ، فتُهمّش الفكر وتُضعف الحسّ العام.
أول من يتحمّل مسؤولية هذا الانحدار هم صانعو المحتوى الذين اختاروا أن يكونوا بضاعةً لا رسلاً؛ يختزلون الجهد في لقطةٍ لامعة، ويستبدلون الفكرة بالاستعراض، ويقيسون النجاح بعدد المشاهدات لا بعمق الرسالة. هؤلاء لا يقدّمون للجمهور سوى مرآةٍ مُصقولة تُظهر نسخةً محسّنة من التفاهة، وتحوّل الجمهور إلى متلقٍ مُبرمج يبحث عن جرعاتٍ سريعة من الانفعال بدلًا من غذاءٍ فكري أو ثقافي.
لكن اللوم لا يقتصر على المنتجين؛ فالمتابع الذي يبارك هذا المسار ويمنحه الإعجاب والمشاركة شريكٌ في صناعة التفاهة. حين يصبح الإعجاب عملةً اجتماعية، وحين يتحوّل إعادة النشر إلى معيار للانتماء، نكون قد سمحنا لثقافةٍ هزيلة أن تفرض نفسها على الوعي الجمعي. المتابع الذي يختار التفاعل مع التفاهة بدلًا من المحتوى الهادف يساهم في إضعاف الذائقة العامة ويطيل عمر السطحية.
النتيجة ليست مجرد إزعاج بصري أو ضجيجٍ رقمي؛ بل أثرٌ حقيقي على المجتمع: تراجع في منابر النقاش الجاد، تهميش للمبادرات الثقافية والمشروعات المجتمعية، وتنامٍ لشعور الفراغ لدى فئاتٍ شبابية تبحث عن معنى وراء الشاشة. إننا بذلك نخسر فرصة تحويل الفضاء الرقمي إلى رافدٍ للإبداع والوعي، ونحوّله إلى مرآةٍ مشوّهة تعكس أسوأ ما فينا.
المطلوب موقفٌ مسؤول من الجميع: صانعو المحتوى ليرتقوا بمستوى إنتاجهم ويقدّموا قيمة حقيقية؛ متابعون ليعيدوا ترتيب أولوياتهم ويمنحوا اهتمامهم للمضمون لا للمظاهر؛ ومؤسساتٌ تعليمية وإعلامية لتعزيز التربية الرقمية والذائقة الثقافية. ليس ثمة رقابةٌ أخلاقية أفضل من وعيٍ عامٍ ناضج يميّز بين الترفيه الهادف والتفاهة المستهلكة.
في الختام، السوشال ميديا مرآةٌ نضعها أمام وجوهنا: إما أن نرى فيها عمقنا وإبداعنا، وإما أن نرى فيها فراغًا مُزيّنًا. على الأردنيين أن يختاروا أي صورة يريدون أن تُعكس عنهم.


















