رصد وتحليل منظومة التشريعات الواجب تعديلها بعد إقرار قانون التربية وتنمية الموارد البشرية

جاء إقرار قانون التربية والتعليم وتنمية الموارد البشرية في توجه يسعى إلى إعادة توجيه نظام التعليم ليعكس تحولًا في النظرة إلى التعليم، بحيث لم يعد يقتصر على نقل المعرفة أو تنظيم المراحل الدراسية، بل أصبح أداة رئيسية لإنتاج المهارات وتعزيز القدرة التنافسية للأفراد في سوق العمل.
إلا أن هذا التحول يطرح تساؤلًا مهما حول مدى قدرة الإطار التشريعي القائم على استيعابه، في ظل استمرار العمل بمجموعة من القوانين والأنظمة والتعليمات التي يتوجب تعديلها بعد إقرار قانون التربية والتعليم والموارد البشرية الجديد و دخوله حيز التنفيذ.
تقييم الإطار التشريعي للتعليم المدرسي
فقانون التربية والتعليم رقم (3) لسنة 1994 وتعديلاته يعد أحد أبرز هذه التشريعات، بحيث لا يزال يشكل المرجعية الأساسية للتعليم المدرسي الى حين العمل بالقانون الجديد .
فبنيته العامة ما تزال تعكس توجهًا يركز على تنظيم العملية التعليمية من الناحية الإدارية، دون أن يعكس بشكل كافٍ مفاهيم تنمية الموارد البشرية أو التعليم القائم على المهارات.
وهو ما استدعى تعديل القانون الذي ما يزال التحدي الأكثرعند النظر إلى الأنظمة والتعليمات الصادرة بموجب هذا القانون، مثل انظمة إدارة المدارس الحكومية، والتعليم الخاص، والإشراف التربوي، وتعليمات التقييم والنجاح والرسوب، وتعليمات المناهج والكتب المدرسية، وتعليمات التعليم غير النظامي والتعليم الدامج، إذ لا تزال هذه الأدوات تعتمد على نماذج تقليدية في الإدارة والتقييم، وتركز على الجوانب الكمية والإجرائية أكثر من تركيزها على تطوير الكفايات والمهارات.
وبالتالي، فإن مواءمة هذه التشريعات مع القانون الجديد تتطلب تعديلات جوهرية تتجاوز التحديث الشكلي، لتشمل إعادة صياغة أهداف التعليم وآليات التقييم وأساليب التدريس.
مواءمة سياسات الموارد البشرية في قطاع التعليم
ولمواءمة سياسات الموارد البشرية في قطاع التعليم الذي يخضع العاملون فيه لأحكام نظام إدارة الموارد البشرية في القطاع العام رقم (33) لسنة 2024، وهو نظام عام ينظم شؤون الوظيفة العامة دون أن يأخذ بعين الاعتبار خصوصية مهنة التعليم، لا بد من تطوير المسار المهني للمعلمين وربطه بالأداء الفعلي داخل الغرفة الصفية.
وهنا تبرز الحاجة إلى مواءمة هذا النظام مع متطلبات القانون الجديد، من خلال إدخال تعديلات أو إصدار تعليمات خاصة تعزز التدريب المستمر، وتربط الترقية بالكفاءة، وتؤسس لنظام واضح للترخيص المهني، بما يسهم في تحسين جودة مخرجات التعليم.
مراجعة الإطار القانوني للتعليم العالي
وفي قطاع التعليم العالي، فإن الإطار التشريعي الناظم يتمثل في قانون التعليم العالي والبحث العلمي رقم (17) لسنة 2018 وتعديلاته، وقانون الجامعات الأردنية رقم (18) لسنة 2018 وتعديلاته، ورغم أهمية هذه القوانين في تنظيم عمل الجامعات، إلا أنها فشلت في الربط بين مخرجات التعليم واحتياجات سوق العمل، وهو ما يحد من فاعلية النظام التعليمي في تحقيق أهداف التنمية.
كما أن التغيرات المؤسسية التي شهدها القطاع، مثل نقل صندوق دعم البحث العلمي والابتكار إلى جهات أخرى، تستدعي إعادة النظر في هذه القوانين لضمان وضوح توزيع الصلاحيات وتكامل الأدوار بين المؤسسات المعنية، بما يتوافق مع التوجه الجديد الذي يركز على تكامل منظومة تنمية الموارد البشرية.
إعادة هيكلة منظومة الاعتماد وضمان الجودة
وفي إطار ضمان الجودة، يبرز قانون اعتماد مؤسسات التعليم العالي وضمان جودتها كأحد القوانين التي تحتاج إلى مراجعة عميقة، خاصة في ظل قرار دمج هيئة الاعتماد مع هيئة تنمية وتطوير المهارات المهنية والتقنية.
ويترتب على هذا الدمج توسيع نطاق عمل الهيئة الجديدة ليشمل مختلف مكونات منظومة التعليم، الأمر الذي يتطلب تعديل القانون بما يعكس هذا التوسع، إضافة إلى مراجعة الأنظمة والتعليمات المرتبطة به، مثل تعليمات اعتماد البرامج الأكاديمية ومعايير الجودة، بحيث تصبح قادرة على التعامل مع التعليم المدرسي والمهني إلى جانب التعليم العالي.
التعليم المهني والتقني ضمن المنظومة التعليمية
وفي ذات السياق ، فإن قانون تنمية وتطوير المهارات المهنية والتقنية لسنة 2019 يُعد من التشريعات التي ستتأثر بشكل مباشر، نتيجة التغييرات المؤسسية التي طرأت عليه، بما في ذلك نقل بعض صلاحياته وصناديقه إلى جهات أخرى.
ويستدعي هذا الامر إعادة تقييم دوره ضمن المنظومة الجديدة، وإدخال تعديلات جوهرية تضمن تكامله مع التعليم المدرسي والتعليم العالي، بدل استمراره كقطاع منفصل.
تحديث أنظمة معادلة الشهادات وسياسات القبول
أما في ما يتعلق بمعادلة الشهادات، فإن نظام معادلة الشهادات من مستوى شهادة الدراسة الثانوية العامة رقم (69) لسنة 2013 وتعديلاته، إلى جانب تعليمات معادلة الشهادات غير الأردنية، يحتاجان ايضا إلى مراجعة في ظل التغيرات المتسارعة في أنماط التعليم، خاصة مع التوسع في التعليم الإلكتروني والتعليم المدمج.
ويقتضي ذلك تطوير هذه الأنظمة بحيث تركز على تقييم الكفايات والمهارات، وليس فقط مقارنة المسارات التعليمية التقليدية، كما أن أسس القبول في مؤسسات التعليم العالي، التي تعتمد بشكل رئيسي على معدل الثانوية العامة، تتطلب إعادة نظر لتشمل معايير إضافية تعكس قدرات الطلبة بشكل أكثر شمولية.
الإطار التشريعي للتعليم الإلكتروني
ولا يمكن إغفال الحاجة إلى تطوير الإطار التشريعي للتعليم الإلكتروني والتعليم المدمج، حيث لا تزال التعليمات المنظمة لهما محدودة، رغم تزايد الاعتماد عليهما في العملية التعليمية، ومن هنا تبرز الجاجة الى إدماجهما ضمن منظومة تشريعية واضحة تحدد معايير الجودة والاعتماد وآليات التقييم، بما يضمن الاعتراف بمخرجاتهما.
من هنا يتبين أن إقرار قانون التربية والتعليم وتنمية الموارد البشرية يستلزم مراجعة شاملة ومتكاملة لمجموعة واسعة من القوانين والأنظمة والتعليمات الناظمة للتعليم في الأردن، ولا تقتصر هذه المراجعة على التعديلات الشكلية، بل تمتد إلى تعديلات جوهرية تمس بنية التشريعات نفسها، بما يضمن تحقيق الانسجام بين مختلف مكونات النظام التعليمي، وتحويل التوجهات الاستراتيجية إلى ممارسات عملية تنعكس على جودة التعليم ومخرجاته.
















