+
أأ
-

لما جمال العبسة : بين واشنطن وطهران تصريحات تهدد المنطقة

{title}
بلكي الإخباري

موجة عارمة من التصريحات الصادرة عن البيت الأبيض مليئة بانتصارات لفظية عن الوصول إلى اتفاق نهائي بين واشنطن وطهران، وقال فيها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إن الاتفاق بات وشيكا حتى أنه يفكر في حضور توقيعه في العاصمة الباكستانية إسلام آباد، لكن المشهد الراهن يكشف ملامح أزمة تتجاوز حدود التصريحات السياسية لتلامس جوهر التوازنات الجيوسياسية والاقتصادية العالمية.

الولايات المتحدة، عبر اندفاعة ترامب الخطابية، تحاول أن ترسم صورة السيطرة بشكل أو بآخر على مضيق هرمز والسفن المارة به خاصة النفطية، مستخدمة لغة استعراضية تتجاوز حدود الممكن، أما دولة الكيان الصهيوني التي اشترطت طهران أن توقف الحرب التي تشنها على لبنان لمواصلة المفاوضات بدورها تلتزم شكلياً بمسارات التفاهم، لكنها تخرقها تحت ذرائع أمنية؛ ما يعكس رغبتها في فرض أجندتها الخاصة بعيداً عن أي التزامات دولية، وهذه الخروقات أدت إلى إغلاق مضيق هرمز أمس، للعودة بذلك إلى نقطة الصفر.

هذا التناقض بين الخطاب والواقع يخلق حالة من الهشاشة الاستراتيجية، فإيران الممسكة بورقة المضيق، تؤكد أن القرار بيدها وحدها، وتستخدمه كأداة ضغط سيادية في مواجهة واشنطن، وتقوم بتفنيد التصريحات الصادرة عن سيد البيت الأبيض وبالمناسبة الواقع يخالف تماما تلك التصريحات.

والاهم أن الدول الخليجية تجد نفسها في مأزق وخشية من تعطّل صادراتها النفطية، وهذه المعادلة تجعلها الأكثر عرضة لتداعيات أي تصعيد، حيث استقرارها الاقتصادي مرتبط مباشرة بتدفق الطاقة عبر هرمز على الأقل خلال السنوات القليلة المقبلة لحين خلق مسارات أخرى.

الانعكاسات الاقتصادية لهذه السلوكيات لا تحتاج إلى كثير من التدليل، أسواق النفط العالمية باتت أسيرة التصريحات والخرق الميداني، حيث أي خطوة تؤدي إلى تقلبات حادة في الأسعار، وهذا يضع اقتصاديات الخليج العربي في قلب العاصفة؛ إذ تعتمد بشكل شبه كامل على استقرار تدفق النفط والغاز، ومع استمرار التصعيد، تصبح هذه الاقتصادات عرضة لموجات من التذبذب المالي؛ ما يهدد خطط التنمية ويضعها أمام تحديات غير مسبوقة.

في المستقبل القريب، يمكن القول إننا أمام توازن هش: خطاب أمريكي يبالغ في رسم المستقبل، ورد إيراني يفرض قيوداً واقعية، وسلوك صهيوني يعيد الأزمة إلى نقطة الصفر، هذا التوازن لا يضمن استقراراً، بل يفتح الباب أمام مزيد من الأزمات التي ستنعكس مباشرة على الاقتصاد العالمي، مع تركيز خاص على اقتصاديات الخليج العربي التي ستظل في مواجهة يومية مع تقلبات السياسة والواقع.

المشهد الحالي يكشف أن المنطقة لم تعد ساحة يمكن لواشنطن أن تفرض عليها إرادتها منفردة، فكل دولة تتحرك وفق حساباتها الخاصة، رافضة الخضوع؛ ما يجعل أي اتفاق هشاً وقابلاً للانهيار عند أول اختبار، واستمرار هذه السلوكيات الأمريكية – الصهيونية سيقود إلى مزيد من الاضطراب في أسواق الطاقة، ويضع اقتصاد الخليج أمام تحديات وجودية.