+
أأ
-

أ. د. سلطان المعاني : حين نهض الأردن مع جيله الكبير

{title}
بلكي الإخباري

هذا اختصار في حدود 430 كلمة تقريبًا، مستند إلى النص المرفق

حين نقرأ تاريخ الأردن الحديث من خلال الجيل الذي وُلد في المدى الزمني الملاصق للاستقلال، تتقدم أمامنا صورة بشر كبروا مع الدولة نفسها، فعاشوا طفولتهم مع تشكل مؤسساتها، ودخلوا شبابهم في اللحظة التي كانت البلاد ترسخ فيها قواعد الإدارة والتعليم والصحة والقضاء والجيش والاقتصاد. وهنا تبرز قيمة جيل الطفرة السكانية في السياق الأردني؛ لأن المرحلة الممتدة بين 1946 و1964، وهي المرحلة التي ارتبطت في الأدبيات السكانية بهذا الجيل، جاءت متجاورة مع استقلال الأردن سنة 1946، فالتقت الولادة الديموغرافية الواسعة مع الولادة السياسية للدولة، ونشأت بين الإنسان والتأسيس علاقة عضوية عميقة.

تكشف بيانات دائرة الإحصاءات العامة عن هذا التكوين بوضوح، إذ بلغ عدد سكان المملكة 586,200 نسمة سنة 1952، ثم ارتفع إلى 900,800 سنة 1961، مع معدل نمو بلغ 4.8 % في تلك المرحلة، وهو رقم يدل على تشكل كتلة بشرية فتية وسريعة الاتساع في مجتمع كان ينتقل من البدايات إلى الرسوخ التدريجي. وهذه الزيادة لم تكن رقمًا مجردًا، وإنما مثلت طاقة بشرية دخلت المدارس، والتحقت بالوظائف، وانتقلت من الحيز المحلي إلى الفضاء الوطني الأوسع، فصار النمو السكاني جزءًا من قصة البناء، وصار هذا الجيل مادتها الحية وقوتها العاملة.

وتتجلى خصوصية التجربة الأردنية في أن الدولة دخلت عصرها الجديد بإرادة تنظيم، وموارد محدودة، وحاجة ملحة إلى بشر يحملون الصبر والانضباط والاستعداد للتدرج، فوجدت هذه الحاجة صداها في جيل تربى داخل أسر تقدّر السمعة، والعمل، والتعليم، وتحمل المسؤولية، وخرجت من القرى والبوادي والمدن الصاعدة أفواج من المعلمين، والجنود، والموظفين، والممرضين، والمهندسين، والإداريين، وهؤلاء منحوا الدولة إيقاعها اليومي، ورسخوا حضور المؤسسة في الحياة العامة؛ لأن البدايات تحتاج إلى عقل يؤمن بها، وإلى يد تحفظ انتظامها، وإلى نفس ترى في الخدمة العامة سبيلًا إلى الكرامة والاستقرار.

ومن أجمل ما يظهر في التأمل بهذا الجيل أن نهضة الأردن جاءت أيضًا ثمرة التقشف المنتج، وتحويل القليل إلى أساس صالح للبناء، فغدت المدرسة سلمًا اجتماعيًا واسع الأثر، وغدت الوظيفة باباً إلى الاستقرار، وغدت الخدمة العسكرية مدرسة للجدية والالتزام، وعلى أكتاف هذا الجيل نشأت الطبقة الوسطى الأردنية في صورتها الحديثة، عبر رواتب متواضعة، وبيوت تتسع بالتدريج، وأحلام تعليمية حملت الأبناء نحو الجامعات والمهن.

وحين واجهت المنطقة حروباً وضغوطاً وتحولات قاسية، ظهر في هذا الجيل معدن المرونة الوطنية والقدرة على حفظ انتظام الحياة تحت وطأة الأزمات، فبقي في الذاكرة الأردنية مقترناً بصورة الأب المؤسس، والمعلم الجاد، والضابط المنضبط، والموظف الذي يرى في عمله امتداداً لكرامته. ومن هنا يغدو التلاقي بين تأسيس الأردن وجيل الطفرة توافقاً تاريخياً عميقاً؛ لأن الاستقلال منح البلاد اسمها السياسي، وهذا الجيل منحها عضلاتها اليومية، ورسخ في صورتها العامة قيم الجدية والعمل والصعود المتدرج.