مِيثاقُ الوفاءِ وسِدْرةُ الإحسان

بقلم الدكتورة ريما الشهوان
مستشارة وزير الأوقاف للشؤون الأسرية
ليس البرُّ خفقةَ عاطفةٍ عابرة، ولا موسماً وجدانيّاً تُزهر فيه المشاعر ثم تذوي، بل هو عقدٌ سابقٌ على وعينا، وميثاقٌ ممهورٌ بختم القضاء الإلهي منذ اللحظة التي شاء فيها الخالق أن يجعل للإنسان سبباً في الأرض. حين يتلو المؤمن قوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾، فهو لا يقرأ أمراً أخلاقياً فحسب، بل يشهد ترتيباً كونياً للولاء؛ إذ جُعلت عروةُ التوحيد مشدودةً بعروة الإحسان للوالدين، وكأن العبودية لله لا تكتمل إلا إذا انحنت الروح إجلالاً لأول سببٍ حملها إلى الوجود.
لفظة "قضى" ليست همسة توصية، بل صكُّ إلزامٍ من ربوبيةٍ عليا، ترفع رتبة البر من دائرة المجاملة الاجتماعية إلى مقام القربة التعبدية. فالإحسان هنا ليس عدلاً يُقاس بالمثل، لأن العدل يعطي بقدر ما أُخذ، أما الإحسان فهو الفيض الذي يعترف بالعجز عن السداد. الوالدان لم يمنحانا خدمة يمكن ردُّها، بل وهبانا زمناً من أعمارهم لا يُستعاد، وطمأنينةً كانت تُسقى من قلقهم علينا، وأملاً كان يُضاء من خوفهم علينا. كم مرةٍ أخفيا تعبهما كي لا نحزن، وابتسما وقلوبهما مثقلة، فقط ليبقينا مطمئنين. نحن ثمرةُ سهرٍ طويل، ودعواتٍ هامسة في جوف الليل، وقلقٍ صامتٍ لا يعرفه إلا قلب الأب وقلب الأم.
ثم يهبط النص القرآني من عليائه إلى أدقّ ارتعاشات النفس: ﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ﴾. "عندك" ليست ظرفاً مكانياً فحسب، بل انتقال مسؤولية، وكأن الزمن سلّمك الأمانة التي حملوها عنك يوماً. كانوا هم عندك في طفولتك، تحوطك عيونهم، وتظلّلك سواعدهم، وتلتقطك أيديهما كلما تعثرت خطاك الأولى. فإذا بك اليوم تصير لهم مأوى وسنداً. هنا تتبدّل الأدوار ولا تتبدّل القيم؛ فالرحمة التي نزلت عليك صغيراً تصعد منك كبيراً، والحضن الذي كان يتسع لخوفك صار ينتظر منك دفئاً يبدد وحشته.
ويبلغ البيان ذروته حين يحاصر حتى أخفّ انكسار في الوجدان ﴿فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ﴾ ليست القضية كلمة، بل ما وراء الكلمة؛ إنها دعوة إلى تهذيب النبرة قبل اللفظ، وإلى تطهير الصدر قبل الجهر. إن كان أدنى مراتب الضجر ممنوعاً، فكيف بما هو أغلظ؟ ما أقسى أن يشيخ قلبٌ كان ملاذك الأول، ثم يسمع منك ما يوجعه. وما أكرم أن تُخفي ضيقك، وتستبدله بابتسامةٍ تردّ إليهما شيئاً من طمأنينةٍ منحاك إياها دهراً.
غير أن الشريعة لا تقيم علاقة وصاية جامدة، بل علاقة صحبة راشدة. ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ تفتح باباً أوسع من الطاعة، باب المرافقة الإنسانية. الصحبة تقتضي الإصغاء، والمشاركة، والاحتواء. أن تجلس إلى حديثهما ولو تكرر، أن تنصت لذكرياتٍ تحفظها عن ظهر قلب، لكنك تُصغي إليها كأنك تسمعها لأول مرة، لأن في عيونهما وهجاً لا يتكرر. لا يُطلب من الابن أن يُعطّل عقله، بل أن يُهذّب اختلافه؛ فإن اختلف الرأي، بقي المعروف، وبقي الاحترام، وبقي الصوت خفيضاً كما يليق بمقام من ربّاك.
﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ صورة تذيب الصلابة في القلب. خفض الجناح ليس إذلالاً للنفس، بل تحرير لها من كبريائها. أن تُبطئ خطاك لتواكب خطوات أب أثقله العمر، وأن تمسك بيد أمٍ كانت تمسك بيدك وأنت تخشى السقوط، ليس مشهداً عادياً، بل لحظة عدالةٍ عاطفية يعيد فيها الزمن توازنه. الشيخوخة عودة إلى طفولة هادئة، ومن أدرك هذه الدائرة فهم أن صبره اليوم هو صدى صبرٍ قديم أُحيط به حين لم يكن يملك من أمره شيئاً.
العلاقة إذن ليست ديناً يُستوفى، بل دورة رحمة مكتملة. الآباء سهروا على حرارة الجبين المرتفع، وارتجفوا خوفاً من عثرة صغيرة، واحتملوا نزق الصغر واندفاع الشباب. واليوم يُدعى الأبناء إلى أن يستوعبوا بطء الحكاية، وتكرار الذكريات، وضعف الذاكرة، لا بوصفها أثقالاً، بل بوصفها نداءً خافتاً يقول كنا لك ظلاً حين اشتد عليك القيظ، فكن لنا دفئاً حين يبرد المساء.
ويكتمل المشهد بالدعاء الذي يختم وصية البر: ﴿وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾. إنه اعترافٌ صريح بأن المقابلة الكاملة مستحيلة، وأن ما نستطيعه هو أن نرفع أكفّ الدعاء لمن رفعونا على أكفّ العناية. فربما لا تسعفنا الكلمات، لكن الدعاء يحمل ما تعجز عنه اللغة، ويصعد بما في القلب من امتنانٍ لا يُحاط به.
فالبر ليس دَيناً يُقضى، بل شرفٌ أخلاقي باذخ، ومقام وعي يدرك أن الإنسان لم يبدأ بنفسه، ولم يصنع ذاته من فراغ، بل نبت في تربة تعبٍ سابق، وسُقي من دمعةٍ خفية، ودعوةٍ صادقة. ومن فقه هذا الميثاق، لم يرَ في العناية بوالديه ثقلاً، بل رأى فيها اكتمال إنسانيته؛ إذ يعود إلى الأصل الذي منه ابتدأ، ويصون السدرة التي استظلّ بها أول مرة، ليكون وفاؤه امتداداً لرحمةٍ سكنت قلبه قبل أن يعرف معنى الرحمة.
حافظوا على والديكم في حياتهم، فسيأتي يومٌ تفتّش فيه عن صوتهما فلا تجده، وعن دعوةٍ كانت تسبقك إلى السماء فلا تسمع صداها. عندها ستدرك أن أعظم ما كان في حياتك لم يكن نجاحاً ولا مجداً، بل قلبان كانا يخافان عليك أكثر مما تخاف على نفسك.
فلا تؤجل كلمة حب، ولا تؤخر قبلة يد، ولا تبخل بلحظة إنصات. اقترب ما دام في العمر فسحة، وكن لهما دفئاً قبل أن يصير الدفء ذكريات. فإن برّهما ليس واجباً يُؤدى، بل رحمةٌ تعود إليك حين تشتد بك الحياة، ودعوةٌ صادقة قد تضيء لك عتمة الطريق.



















