ضبط النفقات وقت الوفرة

د عاطف نايف زريقات
أصدر رئيس الحكومه جعفر حسان بلاغاً يؤكد على ترشيد الاستهلاك وضبط الإنفاق في مختلف المؤسسات الحكومية في خطوة تعكس إدراكاً متجدداً لأهمية الإدارة الرشيدة للموارد في ظل التحديات الاقتصادية الراهنة ٠
غير أن هذا التوجه ليس جديداً على الفكر الاقتصادي والسياسي الأردني فقد سبق وأن طرحه بعمق ووضوح المرحوم عبد الحميد شرف خلال فترة رئاسته للحكومة (1979–1980) حيث جعل من ترشيد الاستهلاك ركيزة أساسية في مشروع وطني تنموي شامل قائم على الاعتماد على الذات وضبط الإنفاق العام والخاص لا سيما في ظل أجواء الطفرة النفطية آنذاك ٠
لقد ربط الشريف عبد الحميد شرف بين الترشيد والصمود الوطني معتبراً أن القدرة على مواجهة الأزمات تبدأ من إدارة الموارد بكفاءة محذراً مبكراً من مخاطر التوسع في الاستهلاك والوقوع في فخ الديون . وكان يؤمن بأن التنمية الحقيقية لا تُبنى على الاستهلاك، بل على الإنتاج وعلى اقتصاد قادر على خلق القيمة لا استنزافها ٠
أبرز ملامح فكره في ترشيد الاستهلاك
رؤية وطنية شاملة :
لم يكن الترشيد إجراءً اقتصادياً ضيقاً بل جزءاً من مشروع وطني كبير أشبه بمعركة بناء يهدف إلى إعداد مجتمع قادر على الصمود والتكيّف مع الأزمات حيث اعتبر شد الأحزمة ضرورة مرحلية لبناء اقتصاد قوي ومستقل
ضبط النفقات في زمن الوفرة :
في وقت تدفقت فيه العوائد المالية حذّر من الانفلات الاستهلاكي والتوسع غير المدروس في الإنفاق مؤكداً أن الوفرة إن لم تُدار بحكمة تتحول إلى عبء مستقبلي عبر تراكم الديون والاعتماد على الاقتراض .
رؤية استشرافية للمستقبل :
امتلك قراءة مبكرة للمآلات الاقتصادية، إذ تنبأ بأن غياب الترشيد سيقود إلى أزمات مالية وهو ما أثبتته التجارب اللاحقة .
القدوة في السلوك :
لم يكتفِي بالتنظير بل جسّد الترشيد في حياته اليومية فعُرف بتواضعه وقربه من الناس وتواجده في الأماكن العامة دون تكلف مما منح خطابه مصداقية نادرة
مشروع تنموي تنويري :
سعى إلى ترسيخ ثقافة إنتاجية مستدامة تقوم على العمل والاعتماد على الذات بديلاً عن ثقافة الاستهلاك المفرط والمظاهر .
في ديسمبر عام 1979 تولى هذا الرجل المثقف والتنويري رئاسة الوزراء حاملاً مشروعاً حداثياً طموحاً للإصلاح الاقتصادي والإداري إلا أن القدر لم يمهله طويلاً إذ وافته المنية إثر أزمة قلبية بعد نحو سبعة أشهر فقط من توليه المنصب لتخسر الأردن تجربة واعدة كان يمكن أن تشكل منعطفاً مهماً في مسارها التنموي .
ولعل ما يزيد من رمزية هذه التجربة أن الشريف عبد الحميد شرف لم يكن يدعو إلى الترشيد من موقع الخطاب فقط بل طبقه على نفسه إذ توفي وهو مدين لبنك الإسكان بعد بنائه منزلاً متواضعاً لعائلته بعيداً عن مظاهر البذخ في انسجام نادر بين القول والفعل .
إن استحضار تجربة الشريف عبد الحميد شرف اليوم في ظل الدعوات المعاصرة لترشيد الإنفاق يذكرنا بأن الترشيد ليس سياسة ظرفية بل خيار استراتيجي لبناء اقتصاد متين وأن الدول التي تنجح هي تلك التي تحسن إدارة الوفرة كما تحسن إدارة الندرة وتُعلي من قيمة الإنتاج على حساب الاستهلاك


















