+
أأ
-

د.مصطفى المعايطة يكتب :- صدام وماجد الفراية.. رحيلٌ يعيد كتابة فصول الفقد في قلوبنا.

{title}
بلكي الإخباري

 

 

 

منذ ثلاثة أيام، الشاب صدام الفراية وخاله ماجد الفراية كانوا على قيد الحياة، وهما زوجا بنات خالتي، خال وابن أخته عدايل، وأم صدام هي أخت ماجد، وعجيبة هذه الدنيا في تقاديرها.

يعود ماجد من المستشفى بعد خضوعه لعملية غسيل للكلى، يطلب من زوجته روان أن تأخذه لبيت أخته أم صدام، يريد أن يراها، ان يحتسي فنجان قهوة من بين يديها، ولم يكن يعلم بأنها الزيارة الأخيرة، وفنجان القهوة الأخير قبل أن يلقي برأسه مغما عليه على وسادتها.

تعالت الأصوات، ودخل صدام مفزوعا ليحمل خاله ويسعفه للمستشفى، وهناك حين وصل كان خاله يعاني من نزيف دماغي، بقي معه حتى اوصله غرفة العناية الحثيثة، ولما اطمئن على خاله بأنه على سريرة تحت الرعاية الطبية، أخذ السرير الذي بجانبه ليلقي بنفسه عليه من شدة التعب، ومن ألم في الصدر قد بدأ يشعر به، ألقى بنفسه وأغلق عينيه وهو يقول:

بدي أنااام.

نام صدام فعلا، لكنها نومة لم يفق بعهدها، وقد فارق الحياة أثر نوبية حادة، وكانت الفاجعة.

شاب في عقده الثالث، صحيحا سليما لا يشكو من شيء، أسعف خاله المريض، فمات هو.

ثلاثة أيام، هي فترة فتح بيت الأجر لصدام رحمه الله، وقبل أن ينتهي اليوم الثالث لحق به خاله ماجد، مات ماجد قبل أن تجف دموع اخته على ابنها صدام، لتفجع ثانية بخبر موت أخيها.

هذا الحزن اعادني لمنشور سابق كتبته في الفقد، وكان #السيد_حسن_نصرالله آخر عناوينه، ولشدة تعلقي بقصص هذا المنشور ضمنته في كتابي،#ولأجلك_باح_الصخر_في_الجنوب.

قلوبنا ك قالب الكيك، يؤكل قطعة قطعة.

من قال بأن الموت يأتي مرة واحدة، بل يأتي على دفعات، وفي كل مرة يموت جزء من قلوبنا، تماما كما يؤكل قالب الكيك حتى آخر قطعة فيه.

تكون قلوبنا بكامل زهوها ك قالب كيك في حفل عروسين، ثم مع أول طعنة للسيف في احشائها تبدأ بالتناقص نحو التلاشي، تماما كما صدمات الفقد في حياتنا، وصدمات الفقد هي الأمر الوحيد الذي يؤثر فينا، فلم أسمع عن أحد قد تآكل من قلبه جزءا على سيارة تحطمت في حادث سير، ولا على بيت قد انهار لأي سبب كان، فالوقت كفيل بتعديل الأحوال، لكن هذه الأمور لا تأخذ حيزا من قلوبنا، حين أننا عندما نفقد أناسا كانوا شيئا كثيرا في حياتنا، يصير الحزن ك فارض يبدأ بقرض قلوبنا، وفي القلوب ذاكرة لا تنسى، ويتراكم الفقد مرة تلو مرة، حتى آخر نبضة.

الصدمة الأولى والمرة الأولى، الطعنة الأولى للسيف في أحشاء القالب، هي المرة الأولى التي يختبر فيها القلب الألم، والمرة الأولى تختلف عن أي مرة أخرى، هي مرة التجربة والاختبار والمعرفة، معرفة ما لم نكن نعرفه قبلا الا بالوصف، ولا يمكن للوصف أن يرتقي للشعور ذاته، ذاك الألم الذي يعتصرك، ربما ك قبضة القبر.

محمد عبدالسلام ابن عمي، ذلك الشاب الذي كان في ريعان شبابه وبداية ربيعه وعقده الثاني من العمر، طل البهية وصاحب الابتسامة التي لا تغادر شفتيه، ابن المزحة والمقالب التي لا تغادر ذهنيته، الشاب الصغير الوحيد ربما الذي جمع الشمل وأصلح البين وكأنه كبير سن في عقده الثامن من العمر ويتقاطر حكمة، الوحيد الذي لم يعرف معنى كلمة الزعل ولم تكن في قاموسه .

كان يُقال في وصفه لصخبه  : منت طير عيشة ، أو منت ابن عيشة ( و منت تعني مش أو لست في لهجتنا العامية ) 

فعلا لم يكن طير عيشة ومات، مات التي تأتي خبرا كالصاعقة ودون سابق إنذار،  هكذا بسهولة، مات ، ولست أدري في حينها هل مات محمد أم مات جزء من قلبي.

بعد عدة سنوات، حين كنت لا أزال على مقاعد دراسة الطب، الطب كله الذي لم يسعف أختي فاطمة ام محمد ولم ينقذها، وكنت أعتقد بأن اتصال والدي لأحضر بسبب مرضه هو، وحين دخلت كان لا زال متكئا كوعه، يبدو التعب عليه واضحا لكنه كان على قيد الحياة وقد كنت أظن بأني لن ألحق رؤيته، لم أكن أعي بأن هذا التعب لوعة شيء آخر غير مرض الجسد، بل كان أمرا جللا آخر بدأ يواسيني فيه، ولست أدري حينها من يجب أن يواسي من أو يُجبِّر من عزائم الآخر، ثم عزّاني في أم محمد، وكان الأمر صادما، لكن الصاعقة كانت حقا عندما عرفت بأنها أختي الكبرى فاطمة وليست أمي كما ظننت في صمتي ولحظة كلمة ماتت، ماتت بهذه السهولة، صمت احترقت فيه من داخلي، ولست أدري حينها من مات فعلا، أختي فاطمة أم جزءا آخر من قلبي.

عدة سنوات وقد فقدت نبضتين من هذا القلب لأفقد الثالثة، حين مات والدي فعلا، مات كله مرة واحدة، وحينها عرفت معنى أن يقول الزير :

أمات كليب كله ؟؟!! 

سؤال يقف الزير أمامه بلا وعي وعاجزا عن الفهم، أيمكن للموت أن يبتلع فعلا إنسانا بلحظة، هذا الموت الذي لا نراه ولا نعرف ماهيته، وكيف يمكن لشيء ليس موجودا الا باسمه أن يصرع شخصا مثل كليب، ومثل والدي، ولست أدري حينها هل مات والدي أم مات جزءا من قلبي.

لست ممن يقر في قلبه الكثير، بل طبعي قاسيا أستطيع احتمال الكثير، أستطيع التجاوز، استوعب الفكرة مباشرة وأمتصها وتمتصني، لكنني في مرات معدودة ما أصابني الانهيار.

مات أصبحت كلمة عادية، وأصبح ألم السيف في أحشاء قالب الكيك معتادا، ألما خبرته بدل المرة ثلاثة مرات، ليست مرات عادية، بل اعتصرتني كاعصار حملني معه ثم رماني في مكان آخر .

لقد عاهدت نفسي بعدها أن استوعب كل الصدمات، فلم يعد في هذا القلب من متسع لحزن عظيم، وأن الحزن يجب استيعابه منذ اللحظة الأولى بكل ثبات، ولكن لم أعرف بأن الإنسان يخون عهده ومواثيقه، أو أن هناك من يستطيع اختراقك حدا تخون فيه نفسك، يؤثر فيك حدا أن لا تستطيع استيعابة، يخترقك ك نصل سيف كاتانا من فوق ألف درع لحمايتك، وكان الأمر هذه المرة مختلفا، وسمحت لهذا القلب أن يزهر ربيعا، أن يرمم ذاته ليدق بكل طاقته متجاوزا ما مات فيه، هذا القلب الذي ظننته قد صار ربع قلب.

كانت هي حين حضرت بكامل مشمشها، الحضور الأول الذي سلبني مني إليها، ولم أكن أعتقد يوما بأني سأفقد نفسي بكلها لأحدهم عن طيب خاطر، كأني أحمل نفسي كهدية في كفي، ثم اجثو على ركبتي ك نبيل فرنسي في حضور أميرته.

شتمت ديستويفسكي في حينها، تباً له ولنهاياته التي خشيتها قبلا، فالأمر كان بالنسبة لي بداية لا نهاية لها وعاهدت نفسي عليها، بداية لن ينهيها انتهاء علاقة أو حتى موت.

النهاية كذبة وكذلك الموت، فالقلوب التي عاهدت على المحبة تكتنز بين ندوبها ذاكرة لا تموت.

ليس الموت هذه المرة، بل غياب كله حضور، نهاية لم تنتهي ولن تنتهي، وكأن الأمر خلود أبدي إلى المالانهاية، سرمدية المخلوق لا الخالق، بداية شعرت بها ،تمتد وتمتد وتمتد ولا يزال الشعور ذاته، وسيبقى ذاته نحو الابد.

كنت أعلم هذه المرة بأن القلب سيعتصر بألمه ربما، لكنها المرة الوحيدة التي اخترت فيها هذا الألم، موت ليس كأي موت سبقه، بل موت على قيد النبض، حضور في الغياب، كالمهدي أو المسيح الحاضرين في غيابهم، كذلك هي، لكني لا أنتظر الظهور المنتظر.

مرت السنوات وكنت أظن بأني أكتفيت، وأني لن أهتز مرة أخرى، لن أفقد جزءا من قلبي، لن تكتويه ندبة، أني لن أفقد نبضة جديدة منه، وأني كالحيوان المدرع في صلابة درعه، لن يؤثر به شيء ولن يختبره موت بعد الآن، ولن تكون كلمة مات صاعقة جديدة.

لا تعرف كيف يتسلل البعض إليك دون أن تشعر، كالماء تحت القش، ودون أن تعي ذلك تأتي الصاعقة، صاعقة لم تكن تعلم بأنها ستأتيك وقد كنت تظن أنك قمت بتحصين نفسك، لتعي بأن الإنسان  لا يستطيع فعلا أن يقوم بتحصين نفسه، وأن هناك من ينتزعون منك مكانتهم بأنفسهم، وبالأمس كنت قد وعيت بأن سماحة السيد حسن كان قد انتزع مكانته مني رغما عني، ومات بسهولتها كانت الصاعقة التي صدمتني، ولست أدري اليوم ، هل مات السيد أم مات جزءا خامسا من قلبي ؟؟!