د.ريما الشهوان تكتب : واقع العنف الأسري في الأردن: قراءة تحليلية في مؤشرات عام 2025

مستشارة وزير الأوقاف للشؤون الأسرية /دكتورة علم جريمة
أظهر تقرير مؤشرات العنف الأسري لعام 2025، الصادر عن المجلس الوطني لشؤون الأسرة، تسجيل تراجع طفيف في إجمالي عدد الحالات المسجلة مقارنة بالسنوات السابقة، مع استمرار هيمنة العنف الجسدي بوصفه النمط الأكثر شيوعًا. وقد استند التقرير إلى بيانات مجمعة من 15 جهة رسمية ومؤسسية معنية بالتعامل مع حالات العنف الأسري، مع الأخذ بعين الاعتبار عامل التكرار في تسجيل الحالات.
وبحسب التقرير، بلغ عدد حالات العنف الأسري المسجلة خلال عام 2025 نحو (51,619) حالة، مقارنة بـ(55,700) حالة في عام 2024، ما يعكس انخفاضًا نسبته 7%. ويأتي هذا التراجع امتدادًا لانخفاض سابق بنسبة 4% سُجل في عام 2024 مقارنة بعام 2023، الأمر الذي قد يشير إلى تحسن نسبي في آليات الوقاية أو التبليغ، دون أن ينفي استمرار الظاهرة كمشكلة اجتماعية مقلقة.
أنماط العنف وتوزيعها النسبي
يستمر العنف الجسدي في تصدر أنماط العنف الأسري بنسبة 63.7% من إجمالي الحالات، يليه العنف النفسي بنسبة 15.8%، ثم الإهمال بنسبة 10.8%، وأخيرًا العنف الجنسي بنسبة 9.7%. ويعكس هذا التوزيع استمرار الطابع المادي المباشر للعنف داخل الأسرة، مقابل حضور أقل – وإن كان مقلقًا – للأشكال غير المرئية كالعنف النفسي.
النوع الاجتماعي: النساء الأكثر تعرضًا
تشير البيانات إلى أن النساء يشكلن النسبة الأكبر من ضحايا العنف الأسري، إذ بلغت نسبتهن 79% مقابل 21% للذكور. ويغلب على العنف الموجه ضد النساء الطابع الجسدي بنسبة تقارب 65%، يليه العنف النفسي (17%)، ثم الجنسي (10%)، والإهمال (9%).
في المقابل، يظهر العنف الجسدي أيضًا كالنمط الأكثر شيوعًا لدى الذكور بنسبة 31%، يليه الإهمال (18%)، ثم العنف النفسي (11%) والعنف الجنسي (10%)، ما يعكس اختلافًا نسبيًا في أنماط التعرض للعنف بين الجنسين.
العلاقة بين الضحية والمعتدي
تُظهر المعطيات أن الزوج يمثل المصدر الأكثر شيوعًا للعنف في الحالات التي تم تحديد علاقة المعتدي فيها، بنسبة 63%، مع هيمنة واضحة للعنف الجسدي ضمن هذه الفئة، يليه النفسي ثم الإهمال. أما حالات العنف الجنسي، فتقع في معظمها على يد أشخاص خارج الفئات الأسرية المصنفة، ما يفتح الباب أمام تساؤلات تتعلق بدوائر الأمان الاجتماعي خارج نطاق الأسرة المباشر.
التوزيع العمري للضحايا
تشير المؤشرات إلى أن الفئة العمرية (18–60 عامًا) هي الأكثر تعرضًا للعنف بنسبة 51%، تليها فئة الأطفال (يوم–12 عامًا) بنسبة 21%، ثم المراهقون (12–18 عامًا) بنسبة 18%، وأخيرًا كبار السن بنسبة 10%.
ويظهر العنف الجسدي كالنمط الغالب عبر جميع الفئات العمرية، إذ يشكل 68% من حالات الأطفال، و60% لدى المراهقين، و57% لدى البالغين، و44% لدى كبار السن. في حين يبرز العنف النفسي بشكل أوضح بين البالغين والنساء بنسبة تصل إلى 20%، بينما تتفاوت نسب الإهمال والعنف الجنسي بين الفئات المختلفة.
التوزيع الجغرافي للحالات
على الصعيد الجغرافي، يستحوذ إقليم الوسط على النسبة الأكبر من الحالات المسجلة (58%)، مقارنة بنسبة السكان البالغة 63%. فيما سجل إقليم الشمال 32% من الحالات مقابل 29% من السكان، وإقليم الجنوب 11% مقابل 8%. ويعكس هذا التفاوت احتمالات متعددة، تتراوح بين اختلاف معدلات التبليغ، والتباينات الاجتماعية والاقتصادية بين الأقاليم.
العنف ضد ذوي الإعاقة
سلّط التقرير الضوء على فئة ذوي الإعاقة، حيث تم تسجيل 790 حالة عنف خلال عام 2025، توزعت بواقع 485 حالة في إقليم الوسط، و178 في الشمال، و127 في الجنوب. وتبيّن أن الإناث من ذوي الإعاقة هن الأكثر عرضة للعنف (521 حالة) مقارنة بالذكور (269 حالة).
أما من حيث أنماط العنف، فقد برز العنف النفسي كالأكثر شيوعًا لدى الأطفال من ذوي الإعاقة، في حين تصدر الإهمال لدى فئة المراهقين، بينما تعرض البالغون بشكل أكبر للعنف النفسي، يليه الإهمال ثم العنف الجسدي. كما أظهرت البيانات أن الزوج يشكل المصدر الرئيسي للعنف ضد ذوي الإعاقة بنسبة 40%.
قراءة تحليلية من منظور علم الجريمة....
من منظور علم الجريمة، لا يمكن التعامل مع التراجع النسبي في أعداد الحالات المسجلة بوصفه مؤشرًا حاسمًا على انخفاض فعلي في معدلات العنف، بقدر ما قد يعكس تغيرات في سلوك التبليغ أو مستوى الثقة بالمؤسسات المعنية. فالعنف الأسري يُعد من الجرائم ذات “الرقم المظلم”، حيث تبقى نسبة من الحالات غير مُبلغ عنها، خصوصًا في المجتمعات التي تُغلّب الاعتبارات الاجتماعية على الإبلاغ.
كما تكشف هيمنة العنف الجسدي عن استمرار أنماط الضبط الاجتماعي التقليدية داخل الأسرة، والتي قد تُضفي – بشكل ضمني – شرعية على استخدام القوة كوسيلة للسيطرة أو حل النزاعات، وهو ما يمكن تفسيره في ضوء نظريات التعلم الاجتماعي التي تؤكد أن السلوك العنيف يُكتسب ويُعاد إنتاجه داخل البيئة الأسرية.
أما الارتفاع الكبير في نسب تعرض النساء للعنف، فيعكس اختلالات بنيوية في توازن القوة داخل بعض العلاقات الأسرية، حيث تتداخل العوامل الاقتصادية والثقافية والاجتماعية في تكريس أنماط الهيمنة، ما يستدعي تدخلات تتجاوز الإطار القانوني إلى تمكين المرأة وتعزيز استقلالها.
وفيما يتعلق بالفئات العمرية، فإن امتداد العنف ليشمل الأطفال والمراهقين وكبار السن، يشير إلى خلل في منظومة الحماية داخل الأسرة، ويعزز فكرة أن العنف ليس سلوكًا عابرًا، بل نمطًا ممتدًا عبر دورة الحياة، يترك آثارًا تراكمية عميقة على الأفراد والمجتمع.
كما أن بروز الزوج كمعتدٍ رئيسي يؤكد أن العنف الأسري غالبًا ما ينشأ داخل أكثر العلاقات قربًا، حيث تتداخل السلطة بالعاطفة، ما يزيد من تعقيد الظاهرة ويجعل الضحايا أقل ميلاً للإفصاح أو طلب المساعدة.
وفي سياق ذوي الإعاقة، فإن ارتفاع معدلات تعرضهم للعنف، لا سيما بين الإناث، يكشف عن هشاشة مضاعفة، ناتجة عن الاعتماد على الآخرين، ما يستدعي تعزيز آليات الحماية الموجهة لهذه الفئة وضمان وصولها إلى خدمات الدعم.
الخلاصة....
تعكس مؤشرات عام 2025 أن العنف الأسري في الأردن ما يزال ظاهرة مركبة ومتجذرة، تتطلب مقاربة شمولية لا تقتصر على الرصد الإحصائي، بل تمتد إلى بناء سياسات وقائية، وتعزيز الوعي المجتمعي، وتطوير منظومة الاستجابة، بما يسهم في الحد من هذه الظاهرة ومعالجة أسبابها العميقة.


















