د حكمت الطراونة يكتب :حرب الغموض...تصريحات الجنون

ما يدفعني للكتابة اليوم ليس مجرد اختلاف في الرأي، بل حالة من الانحدار الواضح فيما يُقدَّم على الشاشات تحت مسمى “تحليل”. ما نراه ليس تحليلًا، بل ضجيجٌ فارغ لا يليق بحجم القنوات التي تبثّه، ولا بمستوى الوعي الذي يُفترض أن يُخاطَب به الناس. وفي الوقت الذي تزخر فيه بلادنا بعقول قادرة على قراءة المشهد بعمق ومسؤولية، يتم تهميشها لصالح أصوات سطحية عاجزة حتى عن تفكيك أبسط الوقائع.
وساتناول في عجالة موضوع الساعة تحت عنوان بسيط.
حرب الغموض... وتصريحات الجنون
ما يجري ليس عبثًا، وليس زلات لسان عابرة. نحن أمام خطاب مُصمَّم بعناية، يُستخدم كسلاح نفسي لتشتيت الانتباه، وإرباك الإدراك، وكسب الوقت. هذه ليست مجرد حرب عسكرية، بل حرب وعي، تُدار فيها الكلمة كما تُدار الصواريخ، ويُخطَّط فيها لكل تصريح كما يُخطَّط لكل ضربة.
لكن، أين نحن من كل ذلك؟
نحن غارقون في السخرية، مستغرقون في الشائعات، نتعامل مع أخطر التحولات وكأنها مادة للتندر. نضحك حيث يجب أن نقلق، ونسخر حيث ينبغي أن نفهم. وكأننا قررنا — بوعي أو بدونه — أن نكون خارج التاريخ، مجرد متفرجين على مشهد قد يلتهم كل شيء.
إن قراءة تصريحات Donald Trump على أنها تهريج أو استعراض ساذج، ليست إلا دليلاً على قصور في الفهم. هذه التصريحات، مهما بدت صادمة أو ساخرة، تُصاغ ضمن استراتيجيات دقيقة، ويقف خلفها صُنّاع قرار وخبراء يعرفون تمامًا ماذا يفعلون. وفي المقابل، يتحرك الإيرانيون بهدوءٍ محسوب، مستندين إلى أدوات نفوذ وخبرة طويلة في إدارة الصراع، لا إلى ردود أفعال عشوائية.
أما نحن…
فنقف في منطقة رمادية، لا موقف واضح، ولا رؤية، ولا حتى حدٌّ أدنى من الجدية. نستهلك ما يُقدَّم لنا دون تمحيص، ونعيد إنتاجه بسذاجة أكبر. وما يُبث عبر بعض الشاشات، تحت لافتة “خبراء”، لم يعد مجرد ضعف مهني، بل تحوّل إلى خطر حقيقي على الوعي العام؛ خطرٌ قد يفوق في أثره القنابل، لأنه يُعيد تشكيل العقول على أسس هشة ومضلِّلة.
الحقيقة القاسية أن ما نعيشه ليس فقط أزمة سياسية أو عسكرية، بل أزمة وعي عميقة. نحن أمام حرب فكرية طويلة، رُسمت خطوطها منذ عقود، وما يجري اليوم ليس إلا فصولًا متقدمة منها. والإعلام — في كثير من صوره — لم يعد ناقلًا للحقيقة، بل أصبح أداة في معركة تشكيلها.
إما أن نستفيق... أو نستمر في لعب دور الضحية بامتياز.


















